حدثنا سعيد بن عفير قال:حدثني الليث قال:حدثني عقيل عن ابن شهاب قال:وزعم عروة أنّ مروان بن الحكم و المِسْوَر بن مَخْرمة
أخبراهأنَّ رسول الله ﷺ قامَ حينَ جاءَه وَفْدُ هَوازِنَ مُسلِمِينَ، فسألُوه أنْ يَرُدَّ إليهم أموالَهم وسَبْيَهم، فقال لهم رسول الله ﷺ: «أَحبُّ الحديثِ إليَّ أصدَقُه، فاختارُوا إحدَى الطّائفَتَينِ: إمّا السَّبْيَ، وإمّا المالَ، وقَد كنتُ استأنَيتُ بهم» وقد كانَ رسول الله ﷺ انتَظَرَهم بِضعَ عَشْرةَ ليلةً حينَ قَفَلَ مِن الطّائفِ، فلمّا تَبيَّنَ لهم أنَّ رسول الله ﷺ غيرُ رادٍّ إليهم إلّا إحدَى الطّائفَتَينِ، قالوا: فإنّا نَخْتارُ سَبْيَنا. فقامَ رسول الله ﷺ في المسلمِينَ، فأثنَى على الله بما هو أهلُه، ثمَّ قال: «أمَّا بعدُ، فإنَّ إخوانَكم هؤُلاءِ قد جاؤونا تائبِينَ، وإنّي قد رأيتُ أنْ أرُدَّ إليهم سَبْيَهُم، فمَن أحبَّ منكم أن يُطَيِّبَ بذلكَ فلْيَفعَل، ومَن أحبَّ منكم أن يكونَ على حَظِّه، حتَّى نُعْطِيَه إيّاه من أوَّلِ ما يُفِيءُ اللهُ علينا فلْيَفعَل» فقال النّاسُ: قد طَيَّبْنا ذلكَ لرسول الله ﷺ لهم، فقال رسول الله ﷺ: «إنّا لا نَدْري مَن أَذِنَ مِنكم في ذلكَ ممَّن لم يَأْذَنْ، فارجِعُوا حتَّى يَرْفَعُوا إلينا عُرَفاؤُكم أمرَكُم» فرَجَعَ النّاسُ، فكَلَّمَهم عُرَفاؤُهم، ثمَّ رَجَعُوا إلى رسول الله ﷺ، فأخبَرُوه أنَّهم قد طَيَّبُوا وأَذِنُوا.
صحيح البخاري — باب إذا وهب شيئاً لوكيل أو شفيع قومٍ جاز-كتاب الوكالة-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2307 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2307
حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال:أخبرني الزهريّ قال:أخبرني عروة بن الزبير عن المِسْوَر بن مَخْرمة و مروان ملاحظة يصدق كل منهما حديث صاحبه
عن المِسْوَرِ بنِ مَخرَمةَ ومروانَ يُصدِّقُ كلُّ واحدٍ منهما حديثَ صاحبِه، قالا: خَرَجَ رسول الله ﷺ زَمَنَ الحُدَيبِيَةِ حتَّى كانوا ببعضِ الطَّريقِ، قال النبيُّ ﷺ: «إنَّ خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ في خَيلٍ لِقُرَيشٍ طَلِيعةً، فخُذُوا ذاتَ اليمينِ» فوالله ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتَّى إذا هم بقَتَرةِ الجيشِ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لقُرَيشٍ، وسارَ النبيُّ ﷺ، حتَّى إذا كانَ بالثَّنِيَّةِ الَّتي يُهبَطُ عليهم منها، بَرَكَتْ به راحِلتُه، فقال النّاسُ: حَلْ حَلْ، فألَحَّتْ، فقالوا: خَلَأَتِ القَصْواءُ، خَلَأَتِ القَصْواءُ، فقال النبيُّ ﷺ: «ما خَلَأَتِ القَصْواءُ، وما ذاكَ لها بخُلُقٍ، ولكنْ حَبَسَها حابسُ الفِيلِ» ثمَّ قال: «والَّذي نَفْسي بيدِه، لا يَسْألوني خُطّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ الله إلَّا أعطَيتُهم إيّاها» ثمَّ زَجَرَها، فوَثَبَتْ، قال: فعَدَلَ عنهُم، حتَّى نَزَلَ بأقصَى الحُدَيبِيَةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ يَتبرَّضُه النّاسُ تَبرُّضًا، فلم يُلَبِّثْه النّاسُ حتَّى نَزَحُوه، وشُكِيَ إلى رسول الله ﷺ العَطَشُ، فانتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِه، ثمَّ أمَرَهم أنْ يَجعَلُوه فيه، فوالله ما زالَ يَجِيشُ لهم بالرِّيِّ حتَّى صَدَرُوا عنه.فبينَما هم كذلكَ إذْ جاءَ بُدَيلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعيُّ في نَفَرٍ مِن قومِه مِن خُزَاعةَ، وكانوا عَيْبةَ نُصْحِ رسول الله ﷺ مِن أهلِ تِهامةَ، فقال: إنّي تَرَكْتُ كَعْبَ بنَ لُؤَيٍّ وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أعدادَ مِياهِ الحُدَيبِيَةِ، ومَعَهُم العُوذُ المَطَافيلُ، وهم مُقاتلُوكَ وصادُّوكَ عن البيتِ، فقال رسول الله ﷺ: «إنّا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ، ولكنّا جئنا مُعتَمِرِينَ، وإنَّ قُرَيشًا قد نَهِكَتْهُم الحربُ وأضَرَّتْ بهم، فإنْ شاؤوا مادَدْتُهم مُدّةً، ويُخَلُّوا بيني وبينَ النّاس، فإنْ أظْهَرْ فإنْ شاؤوا أنْ يَدخُلُوا فيما دَخَلَ فيه النّاسُ فَعَلُوا، وإلَّا فقد جَمُّوا، وإنْ هم أبَوْا فوالَّذي نَفْسي بيدِه لأقاتِلَنَّهم على أمري هذا، حتَّى تَنفَرِدَ سالِفَتي، ولَيُنفِذَنَّ اللهُ أمرَه». فقال بُدَيلٌ: سأُبلِّغُهم ما تقولُ. قال: فانطَلَقَ حتَّى أتى قُرَيشًا، قال: إنّا قد جئناكم مِن هذا الرَّجلِ، وسمعْناه يقولُ قولًا، فإنْ شِئتُم أنْ نَعْرِضَه عليكم فَعَلْنا، فقال سُفَهاؤُهم: لا حاجةَ لنا أنْ تُخبِرَنا عنه بشيءٍ. وقال ذَوُو الرَّأْيِ منهم: هاتِ ما سمعتَه يقولُ، قال: سمعتُه يقولُ كذا وكذا، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ ﷺ. فقامَ عُرْوةُ بنُ مسعودٍ فقال: أيْ قومِ، ألستُم بالوالدِ؟ قالوا: بَلَى، قال: أوَلستُ بالولدِ؟ قالوا: بَلَى، قال: فهل تَتَّهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستُم تَعلَمونَ أنّي استَنفَرْتُ أهلَ عُكَاظٍ فلمّا بَلَّحُوا عليَّ جئتُكم بأهلي ووَلَدي ومَن أطاعَني؟ قالوا: بَلَى، قال: فإنَّ هذا قد عَرَضَ لكم خُطّةَ رُشْدٍ اقبَلُوها، ودَعُوني آتِيه، قالوا: ائْتِه. فأتاه فجَعَلَ يُكلِّمُ النبيَّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ نَحْوًا مِن قولِه لِبُدَيْلٍ، فقال عُرْوةُ عندَ ذلكَ: أيْ محمَّدُ، أرأيتَ إنِ استأْصَلْتَ أمرَ قومِكَ، هل سمعتَ بأحدٍ مِنَ العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ؟ وإنْ تَكُنِ الأخرَى، فإنّي والله لَأرَى وجوهًا، وإنّي لأرَى أشْوابًا مِن النّاس خَلِيقًا أنْ يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ، فقال له أبو بكرٍ: امصَصْ ببَظْرِ اللَّاتِ، أنحنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه؟! فقال: مَن ذا؟ قالوا: أبو بكرٍ، قال: أمَا والَّذي نَفْسي بيدِه، لولا يَدٌ كانت لكَ عندي لم أجْزِكَ بها لأجَبْتُكَ. قال: وجَعَلَ يُكلِّمُ النبيَّ ﷺ، فكلَّما تَكلَّمَ أخَذَ بلِحْيَتِه، والمغيرةُ بنُ شُعْبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ ﷺ ومَعَه السَّيفُ وعليه المِغْفَرُ، فكلَّما أهوَى عُرْوةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ ﷺ ضَرَبَ يدَه بنَعْلِ السَّيفِ، وقال له: أخِّرْ يَدَكَ عن لحيةِ رسول الله ﷺ، فرَفَعَ عُرْوةُ رأسَه فقال: مَن هذا؟ قالوا: المغيرةُ بنُ شُعْبةَ، فقال: أيْ غُدَرُ، ألستُ أسعَى في غَدْرَتِكَ؟ وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليَّةِ فقَتَلهم وأخَذَ أموالهم، ثمَّ جاءَ فأسلَمَ، فقال النبيُّ ﷺ: «أمَّا الإسلامَ فأقبَلُ، وأمَّا المالَ فلستُ منه في شيءٍ». ثمَّ إنَّ عُرْوةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ ﷺ بعَينَيه، قال: فوالله ما تَنَخَّمَ رسول الله ﷺ نُخَامةً إلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رجلٍ منهم، فدَلَكَ بها وجهَه وجِلْدَه، وإذا أمَرَهُم ابتَدَرُوا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادُوا يَقْتَتِلونَ على وَضُوئِه، وإذا تَكلَّم خَفَضُوا أصواتَهم عندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا له، فرَجَعَ عُرْوةُ إلى أصحابِه، فقال: أيْ قومِ، والله لقد وَفَدْتُ على الملوكِ، ووَفَدْتُ على قَيصَرَ وكِسْرى والنَّجَاشِيِّ، والله إنْ رأيتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ محمَّدٍ محمَّدًا! والله إنْ تَنَخَّمَ نُخَامةً إلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رجلٍ منهم، فدَلَكَ بها وجهَه وجِلْدَه، وإذا أمَرَهُم ابتَدَرُوا أمرَه، وإذا تَوضَّأَ كادُوا يَقْتَتِلونَ على وَضُوئِه، وإذا تَكلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا له، وإنَّه قد عَرَضَ عليكم خُطّةَ رُشْدٍ فاقبَلُوها.فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ: دَعُوني آتِيه، فقالوا: ائْتِه. فلمّا أشْرَفَ على النبيِّ ﷺ وأصحابِه، قال رسول الله ﷺ: «هذا فلانٌ، وهو مِن قومٍ يُعَظِّمونَ البُدْنَ، فابعَثُوها له» فبُعِثَتْ له، واستَقبَلَه النّاسُ يُلَبّونَ، فلمّا رأى ذلكَ قال: سُبْحانَ الله! ما يَنبَغي لهؤُلاءِ أنْ يُصَدُّوا عن البيتِ. فلمّا رَجَعَ إلى أصحابه قال: رأيتُ البُدْنَ قد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ، فما أرَى أنْ يُصَدُّوا عن البيتِ. فقامَ رجلٌ منهم يُقالُ له: مِكْرَزُ بنُ حَفْصٍ، فقال: دَعُوني آتِيه، فقالوا: ائْتِه. فلمّا أشْرَفَ عليهم قال النبيُّ ﷺ: «هذا مِكْرَزٌ، وهو رجلٌ فاجِرٌ». فجَعَلَ يُكلِّمُ النبيَّ ﷺ، فبينَما هو يُكلِّمُه إذْ جاءَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو.قال مَعمَرٌ: فأخبرني أيوبُ، عن عِكْرمةَ: أنَّه لمّا جاءَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو قال النبيُّ ﷺ: «لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكُم».قال مَعمَرٌ: قال الزُّهْريُّ في حديثِه: فجاءَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنا وبينَكم كتابًا، فدَعَا النبيُّ ﷺ الكاتِبَ، فقال النبيُّ ﷺ: «بِسْم الله الرَّحمنِ الرَّحيم» قال سُهَيلٌ: أمَّا الرَّحمنُ فوالله ما أدري ما هو، ولكنِ اكتُبْ: باسمِكَ اللهمَّ كما كنتَ تَكْتُبُ، فقال المسلمونَ: والله لا نَكْتُبُها إلَّا «بِسْم الله الرَّحمنِ الرَّحيم». فقال النبيُّ ﷺ: «اكتُبْ باسمِكَ اللهمَّ»، ثمَّ قال: «هذا ما قاضَى عليه محمَّدٌ رسول الله» فقال سُهَيلٌ: والله لو كنَّا نَعْلَمُ أنَّكَ رسول الله، ما صَدَدْناكَ عن البيتِ، ولا قاتَلْناكَ، ولكنِ اكتُبْ: محمَّدُ بنُ عبد الله، فقال النبيُّ ﷺ: «والله إنّي لَرسول الله، وإنْ كَذَّبْتُموني. اكتُبْ: محمَّدُ بنُ عبد الله». قال الزُّهْريُّ: وذلكَ لقولِه: «لا يَسْألوني خُطّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ الله إلَّا أعطَيتُهم إيّاها». فقال له النبيُّ ﷺ: «على أنْ تُخلُّوا بينَنا وبينَ البيتِ، فنَطُوفَ به»، فقال سُهَيلٌ: والله لا تَتَحَدَّثُ العربُ أنّا أُخِذْنا ضُغْطةً، ولكنْ ذلكَ مِنَ العامِ المُقْبِلِ، فكَتَبَ، فقال سُهَيلٌ: وعلى أنَّه لا يأتيكَ مِنّا رجلٌ وإنْ كانَ على دِينِكَ إلا رَدَدْتَه إلينا، قال المسلمونَ: سُبْحانَ الله، كيفَ يُرَدُّ إلى المشركينَ وقد جاءَ مُسلِمًا؟فبينَما هم كذلكَ إذْ دَخَلَ أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو يَرْسُفُ في قُيُودِه، وقد خَرَجَ مِن أسفَلِ مكَّةَ حتَّى رَمَى بنَفْسِه بينَ أظْهُرِ المسلمينَ، فقال سُهَيلٌ: هذا يا محمَّدُ أوَّلُ ما أُقاضِيكَ عليه أنْ تَرُدَّه إليَّ، فقال النبيُّ ﷺ: «إنّا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ» قال: فوالله إذًا لم أُصالحْك على شيءٍ أبدًا، قال النبيُّ ﷺ: «فأجِزْه لي» قال: ما أنا بمُجِيزِه لَكَ، قال: «بَلَى فافعَلْ» قال: ما أنا بفاعلٍ. قال مِكْرَزٌ: بل قد أجَزْناه لَكَ. قال أبو جَندَلٍ: أيْ مَعشَرَ المسلمينَ، أُرَدُّ إلى المشركينَ وقد جئتُ مُسلِمًا؟! ألا تَرَوْنَ ما قد لَقِيتُ؟ وكان قد عُذِّبَ عَذابًا شديدًا في الله. قال: فقال عمرُ بنُ الخطَّاب: فأتيتُ نبيَّ الله ﷺ، فقلتُ: ألستَ نبيَّ الله حَقًّا؟ قال: «بَلَى» قلتُ: ألَسْنا على الحقِّ وعَدُوُّنا على الباطلِ؟ قال: «بَلَى» قلتُ: فلِمَ نُعْطي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا إذًا؟ قال: «إنّي رسول الله، ولستُ أَعصِيه، وهو ناصِري» قلتُ: أوَليسَ كنتَ تُحدِّثُنا أنّا سنأْتي البيتَ فنَطُوفُ به؟ قال: «بَلَى، فأخبَرْتُكَ أنّا نَأْتيهِ العامَ؟» قال: قلتُ: لا، قال: «فإنَّكَ آتِيهِ ومُطَّوِّفٌ به». قال: فأتيتُ أبا بكرٍ، فقلتُ: يا أبا بكرٍ، أليس هذا نبيَّ الله حَقًّا؟ قال: بَلَى، قلتُ: ألَسْنا على الحقِّ وعَدُوُّنا على الباطلِ؟ قال: بَلَى، قلتُ: فلِمَ نُعْطي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا إذًا؟ قال: أيُّها الرَّجلُ، إنَّه لَرسول الله، وليس يَعْصي ربَّه، وهو ناصِرُه، فاستَمْسِكْ بغَرْزِه، فوالله إنَّه على الحقِّ، قلتُ: أليس كانَ يُحدِّثُنا أنّا سنأْتي البيتَ ونَطُوفُ به؟ قال: بَلَى، أفأخبَركَ أنَّكَ تَأْتيهِ العامَ؟ قلتُ: لا، قال: فإنَّكَ آتِيهِ ومُطَّوِّفٌ به. قال الزُّهْريُّ: قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا.قال: فلمّا فَرَغَ مِن قَضِيَّةِ الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابِه: «قُومُوا فانحَرُوا، ثمَّ احلِقُوا» قال: فوالله ما قامَ منهم رجلٌ حتَّى قال ذلكَ ثلاثَ مرَّاتٍ، فلمّا لم يَقُمْ منهم أحدٌ، دَخَلَ على أمِّ سَلَمةَ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ منَ النّاس، فقالت أمُّ سَلَمةَ: يا نبيَّ الله، أتُحِبُّ ذلكَ؟ اخرُجْ ثمَّ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كَلِمةً حتَّى تَنحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حالقَكَ فيَحلِقَكَ. فخَرَجَ فلم يُكلِّمْ أحدًا منهم، حتَّى فَعَلَ ذلكَ، نَحَرَ بُدْنَه، ودَعَا حالقَه فحَلَقَه، فلمّا رَأَوْا ذلكَ قامُوا فنَحَرُوا، وجَعَلَ بعضُهم يَحلِقُ بعضًا، حتَّى كادَ بعضُهم يَقتُلُ بعضًا غَمًّا.ثمَّ جاءَه نِسْوةٌ مُؤْمِناتٌ، فأنزلَ الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} ﱢ حتَّى بَلَغَ: {بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: ١٠]، فطَلَّقَ عمرُ يومَئذٍ امرأتينِ كانتا له في الشِّرْكِ، فتَزوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، والأخرَى صَفْوانُ بنُ أُميَّةَ. ثمَّ رَجَعَ النبيُّ ﷺ إلى المدينةِ، فجاءَه أبو بَصِيرٍ، رجلٌ مِن قُرَيشٍ وهو مُسلِمٌ، فأرسَلُوا في طَلَبِه رجلَينِ، فقالوا: العَهْدَ الَّذي جَعَلْتَ لنا؟ فدَفَعَه إلى الرَّجلَينِ، فخَرَجا به حتَّى بَلَغا ذا الحُلَيفةِ فنَزَلُوا يَأْكُلونَ من تمرٍ لهم، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرَّجلَينِ: والله إنّي لَأرَى سيفَكَ هذا يا فلانُ جَيِّدًا، فاستَلَّه الآخرُ، فقال: أجَلْ، والله إنَّه لَجيِّدٌ، لقد جَرَّبْتُ به ثمَّ جَرَّبْتُ. فقال أبو بَصِيرٍ: أَرِني أنظُرْ إليه، فأمكَنَه منه، فضَرَبَه حتَّى بَرَدَ، وفَرَّ الآخرُ حتَّى أتى المدينةَ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو، فقال رسول الله ﷺ حينَ رَآه: «لقد رأى هذا ذُعْرًا» فلمّا انتَهَى إلى النبيِّ ﷺ قال: قُتِلَ والله صاحبي، وإنّي لمقتولٌ. فجاءَ أبو بَصِيرٍ فقال: يا نبيَّ الله، قد والله أَوفَى اللهُ ذِمَّتَكَ، قد رَدَدْتَني إليهم، ثمَّ أنْجَاني اللهُ منهم، قال النبيُّ ﷺ: «وَيْلُ أمِّهِ مِسعَرَ حَرْبٍ، لو كانَ له أَحدٌ»، فلمّا سمعَ ذلكَ عَرَفَ أنَّه سَيَرُدُّه إليهم، فخَرَجَ حتَّى أتى سِيفَ البحرِ، قال: ويَنفَلِتُ منهم أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلٍ فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ، فجَعَلَ لا يَخرُجُ مِن قُرَيشٍ رجلٌ قد أسلَمَ إلَّا لَحِقَ بأبي بَصِيرٍ، حتَّى اجتَمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فوالله ما يَسمَعونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيشٍ إلى الشَّامِ إلَّا اعتَرَضُوا لها، فقَتَلُوهم وأخَذُوا أموالَهم، فأرسَلَتْ قُرَيشٌ إلى النبيِّ ﷺ تُناشِدُه بالله والرَّحِمِ لمّا أرسَلَ، فمَن أتاه فهو آمِنٌ، فأرسَلَ النبيُّ ﷺ إليهم.فأنزلَ الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} حتَّى بَلَغَ: {الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح:24- ٢٦]، وكانت حَمِيَّتُهم أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نبيُّ الله، ولم يُقِرُّوا بـ «بِسْم الله الرَّحمنِ الرَّحيم»، وحالُوا بينَهم وبينَ البيتِ.قال أبو عبد الله: {مَعَرَّةٌ} العَرُّ: الجَرَبُ، {تَزَيَّلُوا}: انمازُوا. وحَمَيتُ القومَ: مَنَعْتُهم، حِمايةً، وأَحمَيتُ الحِمَى: جَعلتُه حِمًى لا يُدخَل. وأَحميتُ الرَّجلَ: إذا أَعضبتُه إحماءً.
صحيح البخاري — باب الشروط في الجهاد والمصالحة-كتاب الشروط-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2732 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2732
حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن ابن شهاب قال: قال ثعلبة بن أبي مالك
إنَّ عمرَ بنَ الخطَّاب، رضي الله عنه، قَسَمَ مُرُوطًا بينَ نِساءٍ من نِساءِ المدينةِ، فبَقِيَ مِرْطٌ جَيِّدٌ، فقال له بعضُ مَن عندَه: يا أميرَ المؤمنينَ، أعطِ هذا ابنةَ رسولِ الله ﷺ التي عندَكَ - يريدونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بنتَ عليٍّ - فقال عمر: أمُّ سَلِيطٍ أحَقُّ - وأمُّ سَلِيطٍ من نِساءِ الأنصار، ممَّن بايَعَ رسولَ الله ﷺ - قال عمرُ: فإنَّها كانت تَزْفِرُ لنا القِرَبَ يومَ أُحدٍ.قال أبو عبدِ الله: تَزْفِرُ: تَخِيطُ.
صحيح البخاري — باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو-كتاب الجهاد والسير-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2881 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2881
حدثنا الفضل بن يعقوب حدثنا عبد الله بن جعفر الرّقيّ حدثنا المعتمر بن سليمان حدثنا سعيد بن عبيد الله الثقفيّ حدثنا بكر بن عبد الله المزنيّ و زياد بن جبير عن جبير بن حيّة
قال: بَعَثَ عمرُ النّاسَ في أفناءِ الأمصار يُقاتِلونَ المشركينَ، فأسلَمَ الهُرْمُزانُ، فقال: إنّي مُستَشِيرُكَ في مَغازِيَّ هذه. قال: نعم، مَثَلُها ومَثَلُ مَن فيها منَ النّاسِ من عَدُوِّ المسلمينَ مَثَلُ طائرٍ له رأسٌ، وله جَناحانِ، وله رِجْلانِ، فإنْ كُسِرَ أحدُ الجَناحَينِ نَهَضَتِ الرِّجْلانِ بجَناحٍ والرَّأْسُ، فإنْ كُسِرَ الجَناحُ الآخرُ نَهَضَتِ الرِّجْلانِ والرَّأْسُ، وإنْ شُدِخَ الرَّأْسُ ذهبَتِ الرِّجْلانِ والجَناحانِ والرَّأْسُ، فالرَّأْسُ كِسْرى، والجَناحُ قَيصَرُ، والجَناحُ الآخرُ فارسُ، فمُرِ المسلمينَ فلْيَنفِرُوا إلى كِسْرى.قال جُبَيرِ بنِ حَيَّةَ: فنَدَبَنا عمرُ، واستَعمَلَ علينا النُّعْمانَ بنَ مُقَرِّنٍ، حتَّى إذا كنَّا بأرضِ العدوِّ، وخَرَجَ علينا عامِلُ كِسْرى في أربعينَ ألْفًا، فقامَ تَرْجُمانٌ فقال: ليُكلِّمْني رجلٌ منكم. فقال المغيرةُ: سَلْ عمَّا شِئتَ. قال: ما أنتُم؟ قال: نحنُ أُناسٌ منَ العربِ كنَّا في شَقاءٍ شديدٍ وبَلاءٍ شديدٍ، نَمَصُّ الجِلْدَ والنَّوَى منَ الجُوعِ، ونَلْبَسُ الوَبَرَ والشَّعَرَ، ونَعْبُدُ الشَّجَرَ والحَجَرَ، فبَيْنا نحنُ كذلكَ إذْ بَعَثَ رَبُّ السَّماواتِ ورَبُّ الأرَضِينَ - تعالى ذِكرُه وجَلَّتْ عَظَمَتُه - إلينا نبيًّا من أنفُسِنا نَعْرِفُ أباه وأُمَّه، فأمَرَنا نبيُّنا رسولُ رَبِّنا ﷺ أنْ نُقاتِلَكم حتَّى تَعبُدُوا اللهَ وحدَه، أو تُؤَدُّوا الجِزْيةَ، وأخبرنا نبيُّنا ﷺ عن رِسالةِ رَبِّنا: أنَّه مَن قُتِلَ مِنّا صارَ إلى الجنَّةِ في نَعِيمٍ لم يَرَ مِثلَها قَطُّ، ومَن بَقِيَ مِنّا مَلَكَ رِقابَكُم.
صحيح البخاري — باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب-كتاب الجزية-صحيح البخاري — رقم الحديث: 3159 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 3159
حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال:حدثني عُروة بن الزبير و سعيد بن المسيب و علقمة بن وقاص و عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة،رضي الله عنها ملاحظة زوج النبيّ،صلى الله عليه وسلم
حينَ قال لها أهلُ الإفْكِ ما قالوا - قال الزُّهري -: وكلُّهم حدَّثني طائفةً من حديثِها، وبعضُهم كان أوعَى لِحديثِها من بعضٍ وأثبَتَ له اقتِصاصًا، وقد وَعَيتُ عن كلِّ رجلٍ منهمُ الحديثَ الذي حدَّثني عن عائشةَ، وبعضُ حديثِهم يُصدِّقُ بعضًا، وإن كان بعضُهم أوعَى له من بعضٍ، قالوا: قالت عائشةُ: كان رسولُ الله ﷺ إذا أرادَ سفرًا أقرَعَ بينَ أزواجِه، فأيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها، خَرَجَ بها رسولُ الله ﷺ معه.قالت عائشةُ: فأقرَعَ بينَنا في غَزوةٍ غَزاها، فخَرَجَ فيها سَهْمي، فخَرَجتُ مع رسولِ الله ﷺ بعدَما أُنزِلَ الحِجابُ، فكنتُ أُحمَلُ في هَودَجي، وأُنزَلُ فيه، فسِرْنا حتَّى إذا فَرَغَ رسولُ الله ﷺ من غَزوَتِه تلكَ وقَفَلَ، ودَنَوْنا منَ المدينةِ قافلِينَ، آذَنَ ليلةً بالرَّحِيلِ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحِيلِ، فمَشَيتُ حتَّى جاوَزتُ الجيشَ، فلمّا قَضَيتُ شأني أقبَلتُ إلى رَحْلي، فلَمَستُ صَدْري فإذا عِقْدٌ لي من جَزْعِ ظَفارِ قد انقَطَعَ، فرَجَعتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي، فحَبَسَني ابتِغاؤُه.قالت: وأقبَلَ الرَّهْطُ الذينَ كانوا يُرَحِّلوني، فاحتَمَلوا هَوْدَجي، فرَحَلُوه على بَعِيري الذي كنتُ أركَبُ عليه، وهم يَحسِبونَ أنّي فيه، وكان النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافًا لم يَهْبُلْنَ، ولم يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إنَّما يأْكُلْنَ العُلْقةَ من الطَّعام، فلم يَستَنكِرِ القومُ خِفّةَ الهَودَجِ حينَ رَفَعُوه وحَمَلُوه، وكنتُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ، فبَعَثوا الجَمَلَ فسارُوا.ووَجَدتُ عِقْدي بعدَما استَمَرَّ الجيشُ، فجئتُ مَنازِلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مُجِيبٌ، فتَيمَّمتُ مَنزِلي الذي كنتُ به، وظَنَنتُ أنَّهم سَيَفْقِدوني فيَرجِعونَ إليَّ، فبَيْنا أنا جالسةٌ في مَنزِلي غَلَبَتْني عَيني فنِمْتُ، وكان صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثمَّ الذَّكْوانيُّ من وراءِ الجيشِ، فأصبَحَ عندَ مَنزِلي، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعَرَفَني حينَ رآني، وكان رآني قبلَ الحِجاب، فاستَيقَظْتُ باستِرْجاعه حينَ عَرَفَني، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي، ووالله ما تَكلَّمْنا بكَلِمةٍ، ولا سمعتُ منه كَلِمةً غيرَ استِرجاعِه، وهَوَى حتَّى أناخَ راحِلتَه، فوَطِئَ على يدِها، فقُمْتُ إليها فرَكِبْتُها، فانطَلَقَ يقودُ بي الرّاحلةَ، حتَّى أتينا الجيشَ مُوغِرِينَ في نَحْرِ الظَّهِيرةِ، وهم نُزُولٌ. قالت: فهَلَكَ مَن هَلَكَ، وكان الذي تَوَلَّى كِبْرَ الإفْكِ عبدُ الله بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ.قال عُرْوةُ: أُخبِرْتُ أنَّه كان يُشاعُ ويُتَحدَّثُ به عندَه، فيُقِرُّه ويَستَمِعُه ويَستَوشِيه، وقال عُرْوةُ أيضًا: لم يُسمَّ من أهلِ الإفْكِ أيضًا إلا حسَّانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ، وحَمْنةُ بنتُ جَحْشٍ، في ناسٍ آخرِينَ لا عِلْمَ لي بهم، غيرَ أنَّهم عُصْبةٌ كما قال الله تعالى، وإنَّ كِبْرَ ذلكَ يُقالُ: عبدُ الله بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ.قال عُرْوةُ: كانت عائشةُ تَكْرَه أنْ يُسَبَّ عندَها حسَّانُ، وتقولُ إنَّه الذي قال:فإنَّ أَبي ووالدَه وعِرْضِي لِعِرْضِ محمَّدٍ منكم وِقاءُقالت عائشةُ: فقَدِمْنا المدينةَ فاشتَكَيتُ حينَ قَدِمتُ شَهرًا، والنّاسُ يُفِيضونَ في قولِ أصحاب الإفْكِ، لا أشعُرُ بشيءٍ من ذلكَ، وهو يَرِيبُني في وَجَعي أنّي لا أعرِفُ من رسولِ الله ﷺ اللُّطْفَ الذي كنتُ أرَى منه حينَ أشتَكي، إنَّما يَدخُلُ عليَّ رسولُ الله ﷺ فيُسلِّمُ، ثمَّ يقولُ: «كيفَ تِيكُم؟» ثمَّ يَنصَرِفُ، فذلكَ يَرِيبُني ولا أشعُرُ بالشَّرِّ حتَّى خَرَجتُ حينَ نَقَهْتُ، فخَرَجتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وكان مُتَبرَّزَنا، وكنَّا لا نَخرُجُ إلَّا ليلًا إلى لَيلٍ، وذلكَ قبلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتِنا، قالت: وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلِ في البَرِّيَّةِ قِبَلَ الغائطِ، وكنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أنْ نَتَّخِذَها عندَ بيوتِنا.قالت: فانطَلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ، وهي ابنةُ أبي رُهْمِ بنِ المطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنافٍ، وأمُّها بنتُ صَخْرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عبَّادِ بنِ المطَّلِبِ، فأقبَلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا من شأنِنا، فعَثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٌ! فقلتُ لها: بئْسَ ما قلتِ! أتَسُبِّينَ رجلًا شَهِدَ بَدْرًا؟! فقالت: أي هَنْتَاهْ، ولم تَسْمعي ما قال؟ قالت: وقلتُ: ما قال؟ فأخبَرتْني بقولِ أهلِ الإفْكِ، قالت: فازْدَدْتُ مرضًا على مرضي.فلمّا رَجَعْتُ إلى بيتي دَخَلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ، فسَلَّمَ ثمَّ قال: «كيفَ تِيكُم؟» فقلتُ له: أتَأْذَنُ لي أنْ آتيَ أبَوَيَّ؟ قالت: وأُرِيدُ أنْ أستَيقِنَ الخَبَرَ من قِبَلِهما، قالت: فأذِنَ لي رسولُ الله ﷺ، فقلتُ لأُمّي: يا أُمَّتاه ماذا يَتَحدَّثُ النّاسُ؟ قالت: يا بُنيَّةُ، هَوِّني عليكِ، فوالله لَقَلَّما كانتِ امرأةٌ قَطُّ وَضِيئةً، عندَ رجلٍ يُحِبُّها لها ضَرائرُ إلّا كَثَّرْنَ عليها، قالت: فقلتُ: سبحانَ الله! أولقد تَحدَّثَ النّاسُ بهذا؟ قالت: فبَكَيتُ تلكَ اللَّيلةَ حتَّى أصبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ، ولا أكتَحِلُ بنومٍ، ثمَّ أصبَحْتُ أبكي.قالت: ودَعَا رسولُ الله ﷺ عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأُسامةَ بنَ زيدٍ حينَ استَلبَثَ الوَحيُ، يَسألُهما ويَستَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأمَّا أُسامةُ فأشارَ على رسولِ الله ﷺ بالذي يَعلَمُ من بَراءةِ أهلِه، وبالذي يَعلَمُ لهم في نَفْسِه، فقال أُسامةُ: أهلُكَ، ولا نَعْلَمُ إلَّا خيرًا. وأمَّا عليٌّ فقال: يا رسولَ الله، لم يُضيِّقِ الله عليكَ، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وسَلِ الجاريةَ تَصْدُقْكَ. قالت: فدَعَا رسولُ الله ﷺ بَرِيرةَ، فقال: «أيْ بَرِيرةُ، هل رأيتِ من شيءٍ يَرِيبُكِ؟» قالت له بَرِيرةُ: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ ما رأيتُ عليها أمرًا قَطُّ أغْمِصُه غيرَ أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عن عَجِينِ أهلِها، فتَأْتي الدّاجِنُ فتَأْكُلُه.قالت: فقامَ رسولُ الله ﷺ من يومِه، فاستَعْذَرَ من عبدِ الله بنِ أُبيٍّ وهو على المِنْبرِ، فقال: «يا مَعشَرَ المسلمِينَ، مَن يَعذِرُني من رجلٍ قد بَلَغَني عنه أذاهُ في أهلي؟ والله ما عَلِمتُ على أهلي إلَّا خيرًا، ولقد ذَكَروا رجلًا ما عَلِمتُ عليه إلَّا خيرًا، وما يَدخُلُ على أهلي إلَّا مَعي» قالت: فقامَ سعدُ بنُ مُعاذٍ أخو بني عبدِ الأشهَلِ، فقال: أنا يا رسولَ الله أَعذِرُكَ، فإنْ كان منَ الأوسِ ضَرَبْتُ عُنُقَه، وإنْ كان من إخوانِنا من الخَزرَجِ أمَرْتَنا ففَعَلْنا أمرَكَ.قالت: فقامَ رجلٌ منَ الخَزرَجِ، وكانت أمُّ حسَّانَ بنتَ عمِّه من فَخِذِه، وهو سعدُ بنُ عُبادةَ، وهو سيِّدُ الخَزرَجِ، قالت: وكان قبلَ ذلكَ رجلًا صالحًا، ولكنِ احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ، فقال لِسعدٍ: كَذَبْتَ، لَعَمرُ الله لا تَقتُلُه ولا تَقْدِرُ على قَتْلِه، ولو كان من رَهْطِكَ ما أحبَبْتَ أنْ يُقتَلَ. فقامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ - وهو ابنُ عَمِّ سعدٍ - فقال لِسعدِ بنِ عُبادةَ: كَذَبْتَ، لَعَمرُ الله لَنَقتُلَنَّه، فإنَّكَ مُنافقٌ تُجادِلُ عن المنافقِينَ، قالت: فثارَ الحيّانِ الأوسُ والخَزرَجُ، حتَّى هَمُّوا أنْ يَقْتَتِلُوا، ورسولُ الله ﷺ قائمٌ على المِنْبرِ، قالت: فلم يَزَلْ رسولُ الله ﷺ يُخفِّضُهم حتَّى سَكَتُوا، وسَكَتَ.قالت: فبَكَيتُ يومي ذلكَ كلَّه، لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ، ولا أكتَحِلُ بنومٍ، قالت: وأصبَحَ أبَوايَ عندي، وقد بَكَيتُ ليلتَينِ ويومًا، لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ، ولا أكتَحِلُ بنومٍ، حتَّى إنّي لأظنُّ أنَّ البُكاءَ فالقٌ كَبِدي، فبَيْنا أبَوَايَ جالسانِ عندي، وأنا أبكي، فاستأْذنَتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصار، فأذِنْتُ لها، فجَلَسَتْ تَبْكي معي.قالت: فبَيْنا نحنُ على ذلكَ دَخَلَ رسولُ الله ﷺ علينا، فسَلَّمَ ثمَّ جَلَسَ، قالت: ولم يَجلِسْ عندي منذُ قيلَ ما قيلَ قبلَها، وقد لَبِثَ شَهرًا لا يُوحَى إليه في شأني بشيءٍ، قالت: فتَشَهَّدَ رسولُ الله ﷺ حينَ جَلَسَ، ثمَّ قال: «أمَّا بعدُ، يا عائشةُ، إنَّه بَلَغَني عنكِ كذا وكذا، فإن كنتِ بَرِيئةً فسَيُبَرِّئُكِ الله، وإن كنتِ ألْمَمْتِ بذَنبٍ فاستَغفِري الله وتُوبي إليه، فإنَّ العبدَ إذا اعتَرَفَ ثمَّ تابَ، تابَ الله عليه» قالت: فلمّا قَضَى رسولُ الله ﷺ مَقالتَه قَلَصَ دَمْعي، حتَّى ما أُحِسُّ منه قَطْرةً، فقلتُ لأبي: أجِبْ رسولَ الله ﷺ عنِّي فيما قال. فقال أبي: والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ الله ﷺ، فقلتُ لأُمّي: أجِيبي رسولَ الله ﷺ فيما قال. قالت أُمّي: والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ الله ﷺ. فقلتُ - وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ منَ القُرآنِ كَثيرًا -: إنّي والله لقد عَلِمْتُ لقد سمعتُم هذا الحديثَ حتَّى استَقَرَّ في أنفُسِكُم وصَدَّقْتُم به، فلَئِنْ قلتُ لكم: إنّي بَريئة لا تُصَدِّقوني، ولَئِنِ اعتَرَفْتُ لكم بأمرٍ والله يَعلَمُ أنّي منه بَرِيئةٌ لَتُصَدِّقُنّي، فوالله لا أجِدُ لي ولَكم مَثَلًا إلا أبا يوسُفَ حينَ قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: ١٨]، ثمَّ تَحوَّلَتُ واضْطَجَعْتُ على فِراشي، والله يَعلَمُ أنّي حينئذٍ بَرِيئة، وأنَّ الله مُبَرِّئي ببَراءَتي، ولكنْ والله ما كنتُ أظنُّ أنَّ الله مُنزِلٌ في شأْني وحْيًا يُتْلَى، لَشأني في نَفْسي كان أحقَرَ من أن يَتَكلَّم الله فيَّ بأمرٍ، ولكنْ كنتُ أرجُو أنْ يَرَى رسولُ الله ﷺ في النَّومِ رؤيا يُبَرِّئُني الله بها، فوالله ما رامَ رسولُ الله مَجلِسَه، ولا خَرَجَ أحدٌ من أهلِ البيتِ، حتَّى أُنزِلَ عليه، فأخَذَه ما كان يَأخُذُه من البُرَحاءِ، حتَّى إنَّه لَيَتَحدَّرُ منه من العَرَقِ مِثلُ الجُمانِ وهو في يومٍ شاتٍ، من ثِقَلِ القولِ الذي أُنزِلَ عليه، قالت: فسُرِّيَ عن رسول الله ﷺ وهو يَضْحَكُ، فكانت أوَّلُ كَلِمةٍ تَكلَّمِ بها أنْ قال: «يا عائشةُ، أمَّا اللهُ فقد بَرَّأكِ» قالت: فقالت لي أُمّي: قُومي إليه، فقلتُ: والله لا أقُومُ إليه، فإنّي لا أحمدُ إلَّا الله عزَّ وجلَّ. قالت: وأنزَلَ الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ} [النور:11 - 20] العَشرَ الآياتِ، ثمَّ أنزَلَ الله هذا في بَراءَتي.قال أبو بَكْر الصِّدِّيقُ - وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أُثَاثةَ لِقَرابَتِه منه وفَقْرِه -: واللهِ لا أُنفِقُ عَلى مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال، فأنزَلَ الله {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: ٢٢]، فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيق: بَلَى والله، إنّي لأحبُّ أنْ يَغْفِرَ الله لي، فرَجَعَ إلى مِسْطَحِ النَّفَقةَ التّي كان يُنْفِقُ عليه، وقال: والله لا أنزِعُها منه أبدًا.قالت عائشة: وكان رسولُ الله ﷺ سألَ زَينَبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري، فقال لِزَينَب: «ماذا عَلِمْتِ، أو رأيتِ؟» فقالت: يا رسولَ الله، أَحمي سَمْعي وبَصَري، واللهِ ما عَلِمْتُ إلَّا خيرًا. قالت عائشةُ: وهي التّي كانت تُساميني من أزواجِ النبيِّ ﷺ، فعَصَمَها الله بالوَرَعِ. قالت: وطَفِقَتْ أُختُها حَمْنةُ تُحاربُ لها، فهَلَكَتْ فيمَن هَلَكَ.قال ابنُ شِهَابٍ: فهذا الذي بَلَغَني من حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ.ثمَّ قال عُرْوةُ: قالت عائشةُ: والله إنَّ الرَّجلَ الذي قيلَ له ما قيلَ لَيقولُ: سبحانَ الله، فوالَّذي نَفْسي بيدِه ما كَشَفْتُ من كَنَفِ أُنثَى قَطُّ! قالت: ثمَّ قُتلَ بعدَ ذلكَ في سبيلِ الله.
صحيح البخاري — باب حديث الإفك-كتاب المغازي-صحيح البخاري — رقم الحديث: 4141 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 4141
حدثني إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف أنّ ابن جُريج أخبرهم عن ابن أبي مُليكة أنّ عبد الله بن الزبير
أخبَرَهم أنَّه قَدِمَ رَكْبٌ من بني تَمِيمٍ على النبيِّ ﷺ، فقال أبو بكرٍ: أمِّرِ القَعْقاعَ بنَ مَعْبَدِ بنِ زُرَارةَ، قال عمرُ: بَلْ أمِّرِ الأقرَعَ ابنَ حابسٍ. قال أبو بكرٍ: ما أرَدْتَ إلا خِلافي. قال عمرُ: ما أرَدْتُ خِلافَكَ. فتَمارَيا حتَّى ارتَفَعَتْ أصواتُهما، فنَزَلَ في ذلكَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات:1] حتَّى انقَضَت.
صحيح البخاري — باب غزوة عيينة بن حصن-كتاب المغازي-صحيح البخاري — رقم الحديث: 4367 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 4367
حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن عباس
أنَّ عمرَ بنَ الخطَّاب، رضي الله عنه، خَرَجَ إلى الشَّامِ، حتَّى إذا كان بسَرْغَ، لَقِيَه أُمَراءُ الأجنادِ: أبو عُبَيدةَ بنُ الجرّاح وأصحابُه، فأخبَرُوه أنَّ الوَباءَ قد وَقَعَ بأرضِ الشَّامِ، قال ابنُ عبَّاسٍ: فقال عمرُ: ادْعُ لي المهاجِرِينَ الأوَّلِينَ؟ فدَعَاهُم فاستَشارَهُم، وأخبرَهُم أنَّ الوَباءَ قد وَقَعَ بالشَّامِ، فاختَلَفُوا، فقال بعضُهم: قد خَرَجْتَ لأمرٍ ولا نَرَى أنْ تَرْجِعَ عنه، وقال بعضُهم: مَعَكَ بَقِيَّةُ النّاسِ وأصحابُ رسولِ الله ﷺ، ولا نَرَى أنْ تُقْدِمَهم على هذا الوَباءِ، فقال: ارتَفِعُوا عنِّي، ثمَّ قال: ادْعُ لي الأنصارَ، فدَعَوْتُهم فاستَشارَهُم، فسَلَكُوا سبيلَ المهاجِرِينَ، واختَلَفُوا كاختِلافِهم، فقال: ارتَفِعُوا عنِّي، ثمَّ قال: ادْعُ لي مَن كان هاهُنا من مَشْيَخةِ قُرَيشٍ من مُهاجِرةِ الفَتْحِ، فدَعَوْتُهم، فلم يَختَلِفْ منهم عليه رجُلانِ، فقالوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بالنّاس، ولا تُقْدِمَهم على هذا الوَباءِ، فنادَى عمرُ في النّاس: إنّي مُصَبِّحٌ على ظَهْرٍ، فأصبِحُوا عليه، قال أبو عُبَيدةَ بنُ الجرّاح: أفِرارًا من قَدَرِ الله؟ فقال عمرُ: لو غيرُكَ قالها يا أبا عُبَيدةَ! نعم نَفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيتَ لو كان لكَ إبِلٌ هَبَطَتْ وادِيًا له عُدْوَتانِ، إحداهُما خَصِبةٌ والأُخرَى جَدْبةٌ، أليس إنْ رَعَيتَ الخَصِبَة رَعَيتَها بقَدَرِ الله، وإنْ رَعَيتَ الجَدْبةَ رَعَيتَها بقَدَرِ الله؟ قال: فجاءَ عبدُ الرَّحمن بنُ عَوفٍ - وكان مُتَغَيِّبًا في بعضِ حاجَتِه - فقال: إنَّ عندي في هذا عِلْمًا، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «إذا سَمِعتُم به بأرضٍ فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذا وَقَعَ بأرضٍ وأنتُم بها فلا تَخرُجُوا فِرارًا منه». قال: فحَمِدَ اللهَ عمرُ، ثمَّ انصَرَفَ.
صحيح البخاري — باب ما يُذكر في الطاعون-كتاب الطبّ-صحيح البخاري — رقم الحديث: 5729 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 5729
حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عبّاس
قال: كنتُ أُقرِئُ رجالًا منَ المهاجِرِينَ، منهم عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ، فبينَما أنا في مَنزِلِه بمِنًى وهو عندَ عمرَ بنِ الخطَّاب في آخرِ حَجّةٍ حَجَّها، إذْ رَجَعَ إليَّ عبدُ الرَّحمنِ فقال: لو رأيتَ رجلًا أتى أميرَ المؤمنينَ اليومَ فقال: يا أميرَ المؤمنينَ، هل لكَ في فلانٍ؟ يقولُ: لو قد ماتَ عمرُ لقد بايَعْتُ فلانًا، فوالله ما كانت بيعةُ أبي بكرٍ إلا فلْتةً فتَمَّتْ، فغَضِبَ عمرُ ثمَّ قال: إنّي إنْ شاءَ اللهُ لَقائمٌ العَشِيَّةَ في النّاس، فمُحَذِّرُهم هؤُلاءِ الَّذينَ يريدونَ أنْ يَغْصِبُوهم أُمورَهُم، قال عبدُ الرَّحمنِ: فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ لا تَفْعَلْ، فإنَّ المَوْسِمَ يَجمَعُ رَعاعَ النّاس وغَوْغاءَهُم، فإنَّهم هُمِ الَّذينَ يَغلِبونَ على قُرْبِكَ حينَ تقومُ في النّاس، وأنا أخشَى أنْ تقومَ فتقولَ مَقالةً يُطَيِّرُها عنكَ كلُّ مُطَيِّرٍ، وأنْ لا يَعُوها، وأنْ لا يَضَعُوها على مَواضِعِها، فأمهِلْ حتَّى تَقْدَمَ المدينةَ فإنَّها دارُ الهِجْرةِ والسُّنّةِ، فتَخْلُصَ بأهلِ الفِقْه وأشراف النّاس، فتقولَ ما قلتَ مُتَمَكِّنًا، فيَعي أهلُ العِلْمِ مَقالتَكَ، ويَضَعونَها على مَواضِعِها، فقال عمرُ: أما والله إنْ شاءَ اللهُ لأقُومَنَّ بذلكَ أوَّلَ مَقامٍ أقُومُه بالمدينةِ.قال ابنُ عبَّاسٍ: فقَدِمْنا المدينةَ في عُقْبِ ذي الحِجّةِ، فلمّا كان يومُ الجُمُعةِ عَجَّلْنا الرَّواحَ حينَ زاغَتِ الشمسُ، حتَّى أجِدَ سعيدَ بنَ زيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ جالسًا إلى رُكْنِ المِنْبرِ، فجَلستُ حولَه تَمَسُّ رُكْبتي رُكْبتَه، فلم أنشَبْ أنْ خَرَجَ عمرُ بنُ الخطَّاب، فلمّا رأيتُه مُقْبلًا، قلتُ لِسعيدِ بنِ زيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ: لَيقولَنَّ العَشِيَّةَ مَقالةً لم يَقُلْها مُنْذُ استُخْلِفَ، فأنكَرَ عليَّ وقال: ما عَسَيتَ أنْ يقولَ ما لم يَقُلْ قبلَه! فجَلَسَ عمرُ على المِنْبرِ، فلمّا سَكَتَ المؤَذِّنونَ قامَ، فأثنَى على الله بما هو أهلُه، ثمَّ قال: أمَّا بعدُ، فإنّي قائلٌ لكم مَقالةً قد قُدِّرَ لي أنْ أقولَها، لا أدري لَعَلَّها بينَ يَدَي أجَلي، فمَن عَقَلَها ووَعَاها فلْيُحدِّثْ بها حيثُ انتَهَتْ به راحِلتُه، ومَن خَشِيَ أنْ لا يَعْقِلَها فلا أُحِلُّ لأحدٍ أنْ يَكذِبَ عليَّ، إنَّ اللهَ بَعَثَ محمَّدًا ﷺ بالحقِّ، وأنزَلَ عليه الكتابَ، فكان ممَّا أنزَلَ اللهُ آيةُ الرَّجْمِ، فقرأْناها وعَقَلْناها ووَعَيناها، رَجَمَ رسولُ الله ﷺ ورَجَمْنا بعدَه، فأخشَى إنْ طالَ بالنّاس زمانٌ أنْ يقولَ قائلٌ: والله ما نَجِدُ آيةَ الرَّجْمِ في كِتاب الله، فيَضِلُّوا بتَرْكِ فرِيضةٍ أنزَلَها اللهُ، والرَّجْمُ في كِتاب الله حَقٌّ على مَن زَنَى إذا أُحْصِنَ منَ الرِّجال والنِّساءِ إذا قامَتِ البَيِّنةُ، أو كان الحَبَلُ أو الاعتِرافُ، ثمَّ إنّا كنَّا نَقْرَأُ فيما نَقْرَأُ من كِتاب الله: أنْ لا تَرْغَبُوا عن آبائكُم، فإنَّه كُفْرٌ بكم أنْ تَرْغَبُوا عن آبائكُم - أو: إنَّ كُفْرًا بكم أنْ تَرْغَبُوا عن آبائكُم - ألا ثُمَّ إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا تُطْروني كما أُطْرِيَ عيسى ابنُ مريمَ، وقولوا: عبدُ الله ورسولُه».ثمَّ إنَّه بَلَغَني أنَّ قائلًا منكم يقولُ: والله لو ماتَ عمرُ بايَعْتُ فلانًا، فلا يَغتَرَّنَّ امرُؤٌ أنْ يقولَ: إنَّما كانت بيعةُ أبي بكرٍ فلْتةً وتَمَّتْ، ألا وإنَّها قد كانت كذلكَ، ولكنَّ اللهَ وقَى شَرَّها، وليس منكم مَن تُقْطَعُ الأعناقُ إليه مِثلُ أبي بكرٍ، مَن بايَعَ رجلًا عن غيرِ مَشُورةٍ منَ المسلمِينَ فلا يُبايَعُ هو ولا الَّذي بايَعَه تَغِرّةً أنْ يُقتَلا.وَإنَّه قد كان من خَبَرِنا حينَ تَوَفَّى الله نبيَّه ﷺ إلَّا أنَّ الأنصارَ خالَفونا، واجتَمَعُوا بأَسْرِهم في سَقِيفةِ بني ساعدةَ، وخالَفَ عنَّا عليٌّ والزُّبَيرُ ومَن معهما، واجتَمَعَ المهاجِرونَ إلى أبي بكرٍ، فقلتُ لأبي بكرٍ: يا أبا بكرٍ انطَلِقْ بنا إلى إخْوانِنا هؤُلاءِ منَ الأنصار، فانطَلَقْنا نريدُهم، فلمّا دَنَوْنا منهم، لَقِيَنا منهم رجلانِ صالحانِ، فذَكَرا ما تَمالَى عليه القومُ، فقالا: أينَ تُرِيدونَ يا مَعشَرَ المهاجِرِينَ؟ فقلنا: نريدُ إخْوانَنا هؤُلاءِ منَ الأنصار، فقالا: لا عليكم أنْ لا تَقْرَبُوهُم، اقضُوا أمرَكُم، فقلتُ: والله لَنأْتيَنَّهم، فانطَلَقْنا حتَّى أتيناهم في سَقِيفةِ بني ساعدةَ، فإذا رجلٌ مُزَمَّلٌ بينَ ظَهْرانَيهم، فقلتُ: مَن هذا؟ فقالوا: هذا سعدُ بنُ عُبادةَ، فقلتُ: ما له؟ قالوا: يُوعَكُ، فلمّا جَلَسْنا قليلًا تَشَهَّدَ خَطِيبُهم فأثنَى على الله بما هو أهلُه، ثمَّ قال: أمَّا بعدُ، فنحنُ أنصارُ الله، وكَتِيبةُ الإسلامِ، وأنتُم مَعشَرَ المهاجِرِينَ رَهْطٌ، وقد دَفَّتْ دافّةٌ من قومِكُم، فإذا هم يريدونَ أنْ يَختَزِلونا من أصلِنا، وأنْ يَحضُنونا منَ الأمرِ.فلمّا سَكَتَ أرَدْتُ أنْ أتَكلَّمَ، وكنتُ قد زَوَّرْتُ مَقالةً أعجَبَتْني أُرِيدُ أنْ أُقَدِّمَها بينَ يَدَي أبي بكرٍ، وكنتُ أُداري منه بعضَ الحَدِّ، فلمّا أرَدْتُ أنْ أتَكلَّمَ قال أبو بكرٍ: على رِسْلِكَ، فكَرِهْتُ أنْ أُغْضِبَه، فتَكلَّمَ أبو بكرٍ، فكان هو أحلَمَ منِّي وأوقَرَ، والله ما تَرَكَ من كَلِمةٍ أعجَبَتْني في تَزْوِيري إلَّا قال في بَدِيهَتِه مِثلَها، أو أفضلَ منها حتَّى سَكَتَ، فقال: ما ذَكَرْتُم فيكم من خيرٍ فأنتُم له أهلٌ، ولن يُعرَفَ هذا الأمرُ إلَّا لِهذا الحيِّ من قُرَيشٍ، هم أوسَطُ العربِ نَسَبًا ودارًا، وقد رَضِيتُ لكم أحدَ هذَينِ الرَّجلَينِ، فبايِعُوا أيَّهما شِئْتُم، فأخَذَ بيَدي وبِيَدِ أبي عُبَيدةَ بنِ الجرّاح - وهو جالسٌ بينَنا - فلم أكرَهْ ممَّا قال غيرَها، كان والله أنْ أُقَدَّمَ فتُضرَبَ عُنُقي لا يُقَرِّبُني ذلكَ من إثْمٍ، أحبَّ إليَّ من أنْ أتأمَّرَ على قومٍ فيهم أبو بكرٍ، اللهمَّ إلَّا أنْ تُسَوِّلَ إليَّ نَفْسي عندَ الموتِ شيئًا لا أجِدُه الآنَ، فقال قائلٌ منَ الأنصار: أنا جُذَيلُها المُحَكَّكُ، وعُذَيقُها المُرَجَّبُ، مِنّا أميرٌ ومنكم أميرٌ يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، فكَثُرَ اللَّغَطُ، وارتَفَعَتِ الأصواتُ حتَّى فرِقْتُ منَ الاختِلاف، فقلتُ: ابسُطْ يَدَكَ يا أبا بكرٍ فبَسَطَ يدَه فبايَعْتُه، وبايَعَه المهاجِرونَ، ثمَّ بايَعَتْه الأنصارُ، ونَزَوْنا على سعدِ ابنِ عُبادةَ، فقال قائلٌ منهم: قَتَلتُم سعدَ بنَ عُبادةَ، فقلتُ: قَتَلَ الله سعدَ بنَ عُبادةَ.قال عمرُ: وإنّا والله ما وجَدْنا فيما حَضَرْنا من أمرٍ أقوَى من مُبايَعةِ أبي بكرٍ، خَشِينا إنْ فارَقْنا القومَ ولم تَكُنْ بيعةٌ أنْ يُبايِعُوا رجلًا منهم بعدَنا، فإمّا بايَعْناهُم على ما لا نَرْضَى، وإمّا نُخالفُهم فيكونُ فسادٌ، فمَن بايَعَ رجلًا على غيرِ مَشُورةٍ منَ المسلمِينَ، فلا يُتابَعُ هو ولا الَّذي بايَعَه تَغِرّةً أنْ يُقتَلا.
صحيح البخاري — باب رجم الحُبلى من الزنا إذا أحصنت-كتاب المحاربين-صحيح البخاري — رقم الحديث: 6830 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 6830