حدثنا عليّ بن الحسن أخبرنا عبد الله أخبرنا ابن عون
قال: كتبتُ إلى نافعٍ، فكَتَبَ إليَّ: إنَّ النبيَّ أغارَ على بني المُصْطَلِقِ وهم غارُّونَ وأنْعامُهم تُسْقَى على الماءِ، فقَتَلَ مُقاتِلَتَهم وسَبَى ذَراريَّهم، وأصابَ يومَئذٍ جُوَيرِيَةَ. حدَّثني به عبدُ الله بنُ عمرَ، وكان في ذلكَ الجيش.
صحيح البخاري — باب مَن ملك من العرب رقيقاً-كتاب العتق-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2541 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2541
حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن محمد بن يحيى بن حبّان عن ابن محيريز
قال: رأيتُ أبا سعيدٍ، رضي الله عنه، فسألتُه فقال: خَرَجْنا معَ رسولِ الله ﷺ في غَزْوةِ بني المُصْطَلِقِ، فأصَبْنا سَبْيًا مِن سَبْيِ العربِ، فاشتَهَينا النِّساءَ فاشتَدَّتْ علينا العُزْبةُ، وأحبَبْنا العَزْلَ، فسألْنا رسولَ الله ﷺ، فقال: «ما عليكم أنْ لا تَفْعَلُوا، ما مِن نَسَمةٍ كائنةٍ إلى يومِ القِيامَةِ إلَّا وهي كائنةٌ».
صحيح البخاري — باب مَن ملك من العرب رقيقاً-كتاب العتق-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2542 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2542
حدثنا محمد أخبرنا مَخلدُ بن يزيد أخبرنا ابن جُريج قال:أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع جابراً رضي الله عنه
يقول: غَزَوْنا مع النبيِّ ﷺ، وقد ثابَ معه ناسٌ منَ المهاجِرِينَ حتَّى كَثُرُوا، وكان منَ المهاجِرِيِنَ رجلٌ لَعّابٌ، فكَسَعَ أنصاريًّا، فغَضِبَ الأنصاريُّ غَضَبًا شديدًا، حتَّى تَداعَوْا، وقال الأنصاريُّ: يا لَلأنصار. وقال المهاجِرِيُّ: يا لَلْمُهاجِرِينَ. فخَرَجَ النبيُّ ﷺ فقال: «ما بالُ دَعْوَى أهلِ الجاهليَّةِ؟» ثمَّ قال: «ما شأنُهم؟». فأُخبِرَ بكَسْعةِ المهاجِرِيِّ الأنصاريَّ. قال: فقال النبيُّ ﷺ: «دَعُوها، فإنَّها خبيثةٌ».وقال عبد الله بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ: أقد تَداعَوْا علينا؟ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ. فقال عمرُ: ألا نَقتُلُ يا رسول الله هذا الخبيثَ؟ لعبد الله. فقال النبيُّ ﷺ: «لا يَتَحدَّثُ النّاسُ أنَّه كانَ يَقتُلُ أصحابَه».
صحيح البخاري — باب ما يُنهى من دعوة الجاهلية-كتاب المناقب-صحيح البخاري — رقم الحديث: 3518 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 3518
حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال:حدثني عُروة بن الزبير و سعيد بن المسيب و علقمة بن وقاص و عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة،رضي الله عنها ملاحظة زوج النبيّ،صلى الله عليه وسلم
حينَ قال لها أهلُ الإفْكِ ما قالوا - قال الزُّهري -: وكلُّهم حدَّثني طائفةً من حديثِها، وبعضُهم كان أوعَى لِحديثِها من بعضٍ وأثبَتَ له اقتِصاصًا، وقد وَعَيتُ عن كلِّ رجلٍ منهمُ الحديثَ الذي حدَّثني عن عائشةَ، وبعضُ حديثِهم يُصدِّقُ بعضًا، وإن كان بعضُهم أوعَى له من بعضٍ، قالوا: قالت عائشةُ: كان رسولُ الله ﷺ إذا أرادَ سفرًا أقرَعَ بينَ أزواجِه، فأيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها، خَرَجَ بها رسولُ الله ﷺ معه.قالت عائشةُ: فأقرَعَ بينَنا في غَزوةٍ غَزاها، فخَرَجَ فيها سَهْمي، فخَرَجتُ مع رسولِ الله ﷺ بعدَما أُنزِلَ الحِجابُ، فكنتُ أُحمَلُ في هَودَجي، وأُنزَلُ فيه، فسِرْنا حتَّى إذا فَرَغَ رسولُ الله ﷺ من غَزوَتِه تلكَ وقَفَلَ، ودَنَوْنا منَ المدينةِ قافلِينَ، آذَنَ ليلةً بالرَّحِيلِ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحِيلِ، فمَشَيتُ حتَّى جاوَزتُ الجيشَ، فلمّا قَضَيتُ شأني أقبَلتُ إلى رَحْلي، فلَمَستُ صَدْري فإذا عِقْدٌ لي من جَزْعِ ظَفارِ قد انقَطَعَ، فرَجَعتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي، فحَبَسَني ابتِغاؤُه.قالت: وأقبَلَ الرَّهْطُ الذينَ كانوا يُرَحِّلوني، فاحتَمَلوا هَوْدَجي، فرَحَلُوه على بَعِيري الذي كنتُ أركَبُ عليه، وهم يَحسِبونَ أنّي فيه، وكان النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافًا لم يَهْبُلْنَ، ولم يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إنَّما يأْكُلْنَ العُلْقةَ من الطَّعام، فلم يَستَنكِرِ القومُ خِفّةَ الهَودَجِ حينَ رَفَعُوه وحَمَلُوه، وكنتُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ، فبَعَثوا الجَمَلَ فسارُوا.ووَجَدتُ عِقْدي بعدَما استَمَرَّ الجيشُ، فجئتُ مَنازِلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مُجِيبٌ، فتَيمَّمتُ مَنزِلي الذي كنتُ به، وظَنَنتُ أنَّهم سَيَفْقِدوني فيَرجِعونَ إليَّ، فبَيْنا أنا جالسةٌ في مَنزِلي غَلَبَتْني عَيني فنِمْتُ، وكان صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثمَّ الذَّكْوانيُّ من وراءِ الجيشِ، فأصبَحَ عندَ مَنزِلي، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعَرَفَني حينَ رآني، وكان رآني قبلَ الحِجاب، فاستَيقَظْتُ باستِرْجاعه حينَ عَرَفَني، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي، ووالله ما تَكلَّمْنا بكَلِمةٍ، ولا سمعتُ منه كَلِمةً غيرَ استِرجاعِه، وهَوَى حتَّى أناخَ راحِلتَه، فوَطِئَ على يدِها، فقُمْتُ إليها فرَكِبْتُها، فانطَلَقَ يقودُ بي الرّاحلةَ، حتَّى أتينا الجيشَ مُوغِرِينَ في نَحْرِ الظَّهِيرةِ، وهم نُزُولٌ. قالت: فهَلَكَ مَن هَلَكَ، وكان الذي تَوَلَّى كِبْرَ الإفْكِ عبدُ الله بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ.قال عُرْوةُ: أُخبِرْتُ أنَّه كان يُشاعُ ويُتَحدَّثُ به عندَه، فيُقِرُّه ويَستَمِعُه ويَستَوشِيه، وقال عُرْوةُ أيضًا: لم يُسمَّ من أهلِ الإفْكِ أيضًا إلا حسَّانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ، وحَمْنةُ بنتُ جَحْشٍ، في ناسٍ آخرِينَ لا عِلْمَ لي بهم، غيرَ أنَّهم عُصْبةٌ كما قال الله تعالى، وإنَّ كِبْرَ ذلكَ يُقالُ: عبدُ الله بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ.قال عُرْوةُ: كانت عائشةُ تَكْرَه أنْ يُسَبَّ عندَها حسَّانُ، وتقولُ إنَّه الذي قال:فإنَّ أَبي ووالدَه وعِرْضِي لِعِرْضِ محمَّدٍ منكم وِقاءُقالت عائشةُ: فقَدِمْنا المدينةَ فاشتَكَيتُ حينَ قَدِمتُ شَهرًا، والنّاسُ يُفِيضونَ في قولِ أصحاب الإفْكِ، لا أشعُرُ بشيءٍ من ذلكَ، وهو يَرِيبُني في وَجَعي أنّي لا أعرِفُ من رسولِ الله ﷺ اللُّطْفَ الذي كنتُ أرَى منه حينَ أشتَكي، إنَّما يَدخُلُ عليَّ رسولُ الله ﷺ فيُسلِّمُ، ثمَّ يقولُ: «كيفَ تِيكُم؟» ثمَّ يَنصَرِفُ، فذلكَ يَرِيبُني ولا أشعُرُ بالشَّرِّ حتَّى خَرَجتُ حينَ نَقَهْتُ، فخَرَجتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وكان مُتَبرَّزَنا، وكنَّا لا نَخرُجُ إلَّا ليلًا إلى لَيلٍ، وذلكَ قبلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتِنا، قالت: وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلِ في البَرِّيَّةِ قِبَلَ الغائطِ، وكنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أنْ نَتَّخِذَها عندَ بيوتِنا.قالت: فانطَلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ، وهي ابنةُ أبي رُهْمِ بنِ المطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنافٍ، وأمُّها بنتُ صَخْرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عبَّادِ بنِ المطَّلِبِ، فأقبَلتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا من شأنِنا، فعَثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٌ! فقلتُ لها: بئْسَ ما قلتِ! أتَسُبِّينَ رجلًا شَهِدَ بَدْرًا؟! فقالت: أي هَنْتَاهْ، ولم تَسْمعي ما قال؟ قالت: وقلتُ: ما قال؟ فأخبَرتْني بقولِ أهلِ الإفْكِ، قالت: فازْدَدْتُ مرضًا على مرضي.فلمّا رَجَعْتُ إلى بيتي دَخَلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ، فسَلَّمَ ثمَّ قال: «كيفَ تِيكُم؟» فقلتُ له: أتَأْذَنُ لي أنْ آتيَ أبَوَيَّ؟ قالت: وأُرِيدُ أنْ أستَيقِنَ الخَبَرَ من قِبَلِهما، قالت: فأذِنَ لي رسولُ الله ﷺ، فقلتُ لأُمّي: يا أُمَّتاه ماذا يَتَحدَّثُ النّاسُ؟ قالت: يا بُنيَّةُ، هَوِّني عليكِ، فوالله لَقَلَّما كانتِ امرأةٌ قَطُّ وَضِيئةً، عندَ رجلٍ يُحِبُّها لها ضَرائرُ إلّا كَثَّرْنَ عليها، قالت: فقلتُ: سبحانَ الله! أولقد تَحدَّثَ النّاسُ بهذا؟ قالت: فبَكَيتُ تلكَ اللَّيلةَ حتَّى أصبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ، ولا أكتَحِلُ بنومٍ، ثمَّ أصبَحْتُ أبكي.قالت: ودَعَا رسولُ الله ﷺ عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأُسامةَ بنَ زيدٍ حينَ استَلبَثَ الوَحيُ، يَسألُهما ويَستَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأمَّا أُسامةُ فأشارَ على رسولِ الله ﷺ بالذي يَعلَمُ من بَراءةِ أهلِه، وبالذي يَعلَمُ لهم في نَفْسِه، فقال أُسامةُ: أهلُكَ، ولا نَعْلَمُ إلَّا خيرًا. وأمَّا عليٌّ فقال: يا رسولَ الله، لم يُضيِّقِ الله عليكَ، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وسَلِ الجاريةَ تَصْدُقْكَ. قالت: فدَعَا رسولُ الله ﷺ بَرِيرةَ، فقال: «أيْ بَرِيرةُ، هل رأيتِ من شيءٍ يَرِيبُكِ؟» قالت له بَرِيرةُ: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ ما رأيتُ عليها أمرًا قَطُّ أغْمِصُه غيرَ أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عن عَجِينِ أهلِها، فتَأْتي الدّاجِنُ فتَأْكُلُه.قالت: فقامَ رسولُ الله ﷺ من يومِه، فاستَعْذَرَ من عبدِ الله بنِ أُبيٍّ وهو على المِنْبرِ، فقال: «يا مَعشَرَ المسلمِينَ، مَن يَعذِرُني من رجلٍ قد بَلَغَني عنه أذاهُ في أهلي؟ والله ما عَلِمتُ على أهلي إلَّا خيرًا، ولقد ذَكَروا رجلًا ما عَلِمتُ عليه إلَّا خيرًا، وما يَدخُلُ على أهلي إلَّا مَعي» قالت: فقامَ سعدُ بنُ مُعاذٍ أخو بني عبدِ الأشهَلِ، فقال: أنا يا رسولَ الله أَعذِرُكَ، فإنْ كان منَ الأوسِ ضَرَبْتُ عُنُقَه، وإنْ كان من إخوانِنا من الخَزرَجِ أمَرْتَنا ففَعَلْنا أمرَكَ.قالت: فقامَ رجلٌ منَ الخَزرَجِ، وكانت أمُّ حسَّانَ بنتَ عمِّه من فَخِذِه، وهو سعدُ بنُ عُبادةَ، وهو سيِّدُ الخَزرَجِ، قالت: وكان قبلَ ذلكَ رجلًا صالحًا، ولكنِ احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ، فقال لِسعدٍ: كَذَبْتَ، لَعَمرُ الله لا تَقتُلُه ولا تَقْدِرُ على قَتْلِه، ولو كان من رَهْطِكَ ما أحبَبْتَ أنْ يُقتَلَ. فقامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ - وهو ابنُ عَمِّ سعدٍ - فقال لِسعدِ بنِ عُبادةَ: كَذَبْتَ، لَعَمرُ الله لَنَقتُلَنَّه، فإنَّكَ مُنافقٌ تُجادِلُ عن المنافقِينَ، قالت: فثارَ الحيّانِ الأوسُ والخَزرَجُ، حتَّى هَمُّوا أنْ يَقْتَتِلُوا، ورسولُ الله ﷺ قائمٌ على المِنْبرِ، قالت: فلم يَزَلْ رسولُ الله ﷺ يُخفِّضُهم حتَّى سَكَتُوا، وسَكَتَ.قالت: فبَكَيتُ يومي ذلكَ كلَّه، لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ، ولا أكتَحِلُ بنومٍ، قالت: وأصبَحَ أبَوايَ عندي، وقد بَكَيتُ ليلتَينِ ويومًا، لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ، ولا أكتَحِلُ بنومٍ، حتَّى إنّي لأظنُّ أنَّ البُكاءَ فالقٌ كَبِدي، فبَيْنا أبَوَايَ جالسانِ عندي، وأنا أبكي، فاستأْذنَتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصار، فأذِنْتُ لها، فجَلَسَتْ تَبْكي معي.قالت: فبَيْنا نحنُ على ذلكَ دَخَلَ رسولُ الله ﷺ علينا، فسَلَّمَ ثمَّ جَلَسَ، قالت: ولم يَجلِسْ عندي منذُ قيلَ ما قيلَ قبلَها، وقد لَبِثَ شَهرًا لا يُوحَى إليه في شأني بشيءٍ، قالت: فتَشَهَّدَ رسولُ الله ﷺ حينَ جَلَسَ، ثمَّ قال: «أمَّا بعدُ، يا عائشةُ، إنَّه بَلَغَني عنكِ كذا وكذا، فإن كنتِ بَرِيئةً فسَيُبَرِّئُكِ الله، وإن كنتِ ألْمَمْتِ بذَنبٍ فاستَغفِري الله وتُوبي إليه، فإنَّ العبدَ إذا اعتَرَفَ ثمَّ تابَ، تابَ الله عليه» قالت: فلمّا قَضَى رسولُ الله ﷺ مَقالتَه قَلَصَ دَمْعي، حتَّى ما أُحِسُّ منه قَطْرةً، فقلتُ لأبي: أجِبْ رسولَ الله ﷺ عنِّي فيما قال. فقال أبي: والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ الله ﷺ، فقلتُ لأُمّي: أجِيبي رسولَ الله ﷺ فيما قال. قالت أُمّي: والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ الله ﷺ. فقلتُ - وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ منَ القُرآنِ كَثيرًا -: إنّي والله لقد عَلِمْتُ لقد سمعتُم هذا الحديثَ حتَّى استَقَرَّ في أنفُسِكُم وصَدَّقْتُم به، فلَئِنْ قلتُ لكم: إنّي بَريئة لا تُصَدِّقوني، ولَئِنِ اعتَرَفْتُ لكم بأمرٍ والله يَعلَمُ أنّي منه بَرِيئةٌ لَتُصَدِّقُنّي، فوالله لا أجِدُ لي ولَكم مَثَلًا إلا أبا يوسُفَ حينَ قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: ١٨]، ثمَّ تَحوَّلَتُ واضْطَجَعْتُ على فِراشي، والله يَعلَمُ أنّي حينئذٍ بَرِيئة، وأنَّ الله مُبَرِّئي ببَراءَتي، ولكنْ والله ما كنتُ أظنُّ أنَّ الله مُنزِلٌ في شأْني وحْيًا يُتْلَى، لَشأني في نَفْسي كان أحقَرَ من أن يَتَكلَّم الله فيَّ بأمرٍ، ولكنْ كنتُ أرجُو أنْ يَرَى رسولُ الله ﷺ في النَّومِ رؤيا يُبَرِّئُني الله بها، فوالله ما رامَ رسولُ الله مَجلِسَه، ولا خَرَجَ أحدٌ من أهلِ البيتِ، حتَّى أُنزِلَ عليه، فأخَذَه ما كان يَأخُذُه من البُرَحاءِ، حتَّى إنَّه لَيَتَحدَّرُ منه من العَرَقِ مِثلُ الجُمانِ وهو في يومٍ شاتٍ، من ثِقَلِ القولِ الذي أُنزِلَ عليه، قالت: فسُرِّيَ عن رسول الله ﷺ وهو يَضْحَكُ، فكانت أوَّلُ كَلِمةٍ تَكلَّمِ بها أنْ قال: «يا عائشةُ، أمَّا اللهُ فقد بَرَّأكِ» قالت: فقالت لي أُمّي: قُومي إليه، فقلتُ: والله لا أقُومُ إليه، فإنّي لا أحمدُ إلَّا الله عزَّ وجلَّ. قالت: وأنزَلَ الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ} [النور:11 - 20] العَشرَ الآياتِ، ثمَّ أنزَلَ الله هذا في بَراءَتي.قال أبو بَكْر الصِّدِّيقُ - وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أُثَاثةَ لِقَرابَتِه منه وفَقْرِه -: واللهِ لا أُنفِقُ عَلى مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال، فأنزَلَ الله {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: ٢٢]، فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيق: بَلَى والله، إنّي لأحبُّ أنْ يَغْفِرَ الله لي، فرَجَعَ إلى مِسْطَحِ النَّفَقةَ التّي كان يُنْفِقُ عليه، وقال: والله لا أنزِعُها منه أبدًا.قالت عائشة: وكان رسولُ الله ﷺ سألَ زَينَبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري، فقال لِزَينَب: «ماذا عَلِمْتِ، أو رأيتِ؟» فقالت: يا رسولَ الله، أَحمي سَمْعي وبَصَري، واللهِ ما عَلِمْتُ إلَّا خيرًا. قالت عائشةُ: وهي التّي كانت تُساميني من أزواجِ النبيِّ ﷺ، فعَصَمَها الله بالوَرَعِ. قالت: وطَفِقَتْ أُختُها حَمْنةُ تُحاربُ لها، فهَلَكَتْ فيمَن هَلَكَ.قال ابنُ شِهَابٍ: فهذا الذي بَلَغَني من حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ.ثمَّ قال عُرْوةُ: قالت عائشةُ: والله إنَّ الرَّجلَ الذي قيلَ له ما قيلَ لَيقولُ: سبحانَ الله، فوالَّذي نَفْسي بيدِه ما كَشَفْتُ من كَنَفِ أُنثَى قَطُّ! قالت: ثمَّ قُتلَ بعدَ ذلكَ في سبيلِ الله.
صحيح البخاري — باب حديث الإفك-كتاب المغازي-صحيح البخاري — رقم الحديث: 4141 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 4141
حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن أرقم
قال: كنتُ في غَزاةٍ، فسمعتُ عبد الله بنَ أُبيٍّ يقولُ: لا تُنفِقوا على مَن عندَ رسول الله، حتَّى يَنفَضُّوا مِن حَوْلِه، ولو رَجَعْنا من عندِه لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ، فذَكَرْتُ ذلكَ لعَمّي، أو لعمرَ، فذَكَرَه للنبيِّ ﷺ، فدَعاني فحَدَّثْتُه، فأرسَلَ رسول الله ﷺ إلى عبد الله بنِ أُبيٍّ وأصحابِه، فحَلَفوا ما قالوا، فكَذَّبني رسول الله ﷺ وصَدَّقَه، فأصابني هَمٌّ لم يُصِبْني مِثلُه قَطُّ، فجلستُ في البيتِ، فقال لي عَمّي: ما أرَدْتَ إلى أنْ كَذَّبَكَ رسول الله ﷺ ومَقَتَكَ، فأنزَلَ الله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} [المنافقون: ١]، فبَعَثَ إليَّ النبيُّ ﷺ فقرأ، فقال: «إنَّ اللهَ قد صَدَّقَكَ يا زيدُ».
صحيح البخاري — باب قوله أيودّ أحدكم أن تكون له جنة-كتاب التفسير-صحيح البخاري — رقم الحديث: 4900 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 4900
حدثني أبو كُرَيب،محمد بن العلاء حدثنا حفص ملاحظة يعني ابن غِيَاث عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر
أنَّ رسولَ الله ﷺ قدِمَ مِن سَفَر، فلمّا كان قُربَ المَدينةِ هاجتْ رِيحٌ شَديدةٌ تكادُ أن تَدفِنَ الرَّاكب، فزَعَم أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «بُعِثتْ هذه الرِّيحُ لمَوتِ مُنافِق» فلمّا قدِمَ المَدينةَ، فإذا مُنافِقٌ عظيمٌ من المُنافقينَ قد مات.
صحيح مسلم — باب يحشر الكافر على وجهه-كتاب صفات المنافقين وأحكامهم-صحيح مسلم — رقم الحديث: 2782 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2782
حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ الحرانيّ حدثني محمد ملاحظة يعني ابن سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها
قالت: وقَعَتْ جُويريةُ بنتُ الحارِثِ بنِ المُصْطَلِق في سَهْمِ ثابتِ بنِ قَيس بن شَمَّاس، أو ابنِ عمٍّ له، فكاتَبتْ على نفْسِها، وكانتِ امرأةً مُلّاحةً تأخُذُها العينُ، قالت عائِشةُ: فجاءَتْ تسألُ رسولَ الله ﷺ في كتابتِها، فلمّا قامَتْ على البابِ فرَأيتُها كَرِهْتُ مكانَها، وعرَفتُ أنّ رسولَ الله ﷺ سَيَرى منها مِثلَ الذي رأيتُ، فقالت: يا رسولَ الله، أنا جُويريةُ بنتُ الحارِثِ، وأَنا كان مِن أَمرِي ما لا يَخفَى عليكَ، وإنِّي وقعتُ في سَهْمِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاس، وإنِّي كاتبتُ على نفْسِي، فجئتُكَ أَسالُك في كِتابتِي، فقال رسولُ الله ﷺ: «فهل لكِ إلى ما هو خيرٌ منه؟» قالت: وما هو يا رسولَ الله؟ قال: «أُؤدِّي عنكِ كتابتَكِ وأَتزوَّجُكِ» قالت: قد فعلتُ، قالت: فتَسامَعَ - تعني النّاسَ- أنَّ رسولَ الله ﷺ ِقد تزوَّج جُويرِيَةَ، فأَرسلُوا ما في أَيدِيهم من السَّبْي، فأَعتَقُوهُم، وقالوا: أَصهارُ رسولِ الله ﷺ. فما رَأينا امرأةً كانت أعظَمَ برَكةً على قومِها منها، أُعتِقَ في سَبَبِها مئةُ أَهلِ بَيتٍ مِن بني المُصْطَلِق.قال أبو داود: هذا حجّة في أنّ الوليّ هو يزوّج نفسه.
سنن أبي داود — باب في بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة-كتاب العتق-سنن أبي داود — رقم الحديث: 3931 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 3931
حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله
يقول: كنّا في غَزاةٍ - قال سُفيان: يَرَونَ أنّها غَزوةُ بني المُصطَلِق – فكسعَ رجلٌ مِن المُهاجرينَ رجلًا مِن الأنصار، فقال المُهاجريُّ: يا لَلمُهاجرين، وقال الأَنصاريُّ: يا لَلأنصار، فسَمع ذلك النّبيُّ ﷺ فقال: «ما بالُ دَعوى الجاهليّة؟» قالوا: رجلٌ مِن المُهاجرينَ كسَعَ رجلًا من الأنصار، فقالَ النّبيُّ ﷺ: «دَعُوها فإنّها مُنتِنَة».فسَمِع ذلك عبدُ الله بنُ أُبيِّ ابنِ سَلُول، فقال: أَوَقد فعَلُوها؟ واللهِ ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8] فقال عمر: يا رسولَ الله، دَعني أَضرِبْ عُنُقَ هذا المُنافِق، فقالَ النّبيُّ ﷺ: «دَعْهُ، لا يَتحدَّثِ النّاسُ أنّ محمّدًا يَقتُلُ أَصحابَه». وقالَ غيرُ عَمرو: فقالَ له ابنُه عبدُ الله بنُ عبدِ الله: واللهِ لا تَنقَلِبْ حتى تُقِرَّ أنكَ الذّليلُ، ورسولَ الله ﷺ العزيزُ، ففَعَل.هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.
سنن الترمذي — باب ومن سورة المنافقين-كتاب تفسير القرآن-سنن الترمذي — رقم الحديث: 3315 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 3313
قال: كتبتُ إلى نافعٍ أسألُه: ما أَقعَدَ ابنَ عُمر عن الغَزو؟ وعن القَوم إذا غَزَوا، بما يَدْعُون العَدوَّ قبل أن يُقاتِلُوهم؟ وهل يَحمِلُ الرجُلُ إذا كان في الكَتِيبة بغير إذنِ إمامِه؟ فكتَب إليَّ: إنَّ ابنَ عُمر قد كان يَغزُو ولَدُه، ويَحمِل على الظَّهرِ، وكان يقول: إنَّ أفضَلَ العمَلِ بعد الصّلاةِ الجهادُ في سَبيلِ الله تعالى، وما أقعَدَ ابنَ عُمر عن الغَزْو إلّا وصايا لِعُمر، وصِبيانٌ صِغَار، وضَيعةٌ كَثِيرة، وقد أغارَ رسولُ الله ﷺ على بني المُصطَلِق وهم غارُّون يَسقُون على نَعَمِهم، فقَتَلَ مُقاتِلتَهم، وسبَى سَبَاياهُم، وأصابَ جُويريةَ بنتَ الحارِث. قال: فحدثني بهذا الحديث ابنُ عمر، وكان في ذلك الجَيش، وإنّما كانوا يَدْعُونَ في أوّل الإسلام، وأما الرَّجُلُ فلا يَحمِلُ على الكَتيبةِ إلّا بإذنِ إمامِه.
مسند أحمد — رقم الحديث: 4873 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 4873 — ج: 2 — ص: 32
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ومحمد بن يحيى بن حبان، كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلق؛
قالوا: بَلَغَ رسولَ الله ﷺ أنّ بني المُصطَلِق يَجمَعُون له، وقائدُهم الحارثُ بن أبي ضِرارٍ أبو جُوَيرِيَة بنت الحارث، زوجِ رسول الله ﷺ، فلمّا سمع رسولُ الله ﷺ بهم خرج إليهم حتّى لَقِيَهم على ماءٍ من مياههم يقال له: المُرَيسِيعُ، من ناحية قُدَيدٍ إلى السّاحل، فتَزاحَفَ الناسُ واقتتلوا، فهَزَمَ اللهُ بني المُصطَلِق، وقَتَلَ مَن قَتَلَ منهم، ونَفَّلَ رسولَ الله ﷺ أبناءَهم ونساءَهم وأموالَهم فأفاءَهم عليه.وقد أُصيبَ رجلٌ من المسلمين من بني كَلْب بن عَوْف بن عامر بن ليث بن بكرٍ يقال له: هشام بن صُبَابة، أصابه رجلٌ من الأنصار من رَهْط عُبَادة بن الصّامت وهو يُرَى أنه من العدوِّ فقتله خطأً.فبَيْنا رسولُ الله ﷺ على ذلك الماءِ وَرَدَت واردةُ الناس، ومع عمر بن الخَطّاب أَجيرٌ له من بني غِفارٍ يقال له: جَهْجاهُ بن مسعودٍ، يقودُ فرسَه، فازدَحَمَ جَهْجاهٌ وسِنانُ بن وَبْرٍ الجُهَنيُّ حليفُ بني عَوْف بن الخَزرَج على الماءِ فاقتَتَلا، فصَرَخَ الجُهَنيّ: يا معشرَ الأنصار، وصَرَخَ جَهْجاه: يا معشرَ المهاجرين، فغَضِبَ عبدُ الله بن أُبيِّ ابنِ سَلُولَ وعنده رَهْطٌ من قومه، فيهم زيدُ بن أرقَمَ غلامٌ حَدَثٌ، فقال: أقد فَعَلُوها، قد نافَرُونا وكاثَرُونا في بلادنا، والله ما أعُدُّنا وجلابِيبَ قريش هذه، إلّا كما قال الأوّلُ: سَمِّنْ كلبَك يأكُلْك، أمَا والله لئِنْ رَجَعْنا إلى المدينة ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، ثمّ أقبَلَ على مَن حَضَرَه من قومه فقال: هذا ما فعلتُم بأنفُسِكم، أحلَلتُموهم بلادَكم وقاسَمتُموهم أموالَكم، أمَا والله لو أمسَكتُم عنهم ما بأيديكم، لتَحَوَّلوا إلى غير داركم.فسَمِعَ ذلك زيدُ بن أرقَمَ فمَشَى به إلى رسول الله ﷺ، وذلك عند فراغِ رسول الله ﷺ من عدوِّه، فأخبره الخبرَ وعنده عمرُ بن الخَطّاب، فقال: مُرْ به عبّادَ بن بِشْرٍ فليَقتُلْه، فقال له رسول الله ﷺ: «فكيفَ يا عمرُ إذا تَحدَّثَ النّاسُ أنَّ محمّدًا يَقتُلُ أصحابَه؟! لا، ولكنْ أذِّنْ بالرَّحِيل» وذلك في ساعةٍ لم يكن رسولُ الله ﷺ يَرتحِلُ فيها، فارتَحَلَ الناسُ.وقد مَشَى عبدُ الله بن أُبيِّ ابنِ سَلُولَ إلى رسول الله ﷺ حين بَلَغَه أنّ زيدَ بن أرقَمَ قد بَلَّغَه ما سمعَ منه، فحَلَفَ بالله ما قلتُ ما قال ولا تكلَّمتُ به، وكان في قومه شريفًا عظيمًا، فقال مَن حَضَرَ رسولَ الله ﷺ من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلامُ قد أَوهَمَ في حديثه ولم يَحفَظْ ما قال الرّجلُ؛ حَدَبًا على ابن أُبيٍّ ودَفْعًا عنه.قال ابن إسحاق: فلمّا استَقَلَّ رسولُ الله ﷺ وسارَ لَقِيَه أُسَيدُ بن حُضَيرٍ فحيَّاهُ بتحيّة النُّبوّة وسَلَّمَ عليه، ثمّ قال: يا نبيَّ الله، والله لقد رُحْتَ في ساعةٍ مُنكَرةٍ ما كنتَ تَرُوحُ في مِثلِها! فقال له رسول الله ﷺ: «أوَما بَلَغَك ما قالَ صاحبُكم؟» قال: أيُّ صاحبٍ يا رسول الله؟ قال: «عبدُ الله بن أُبَيٍّ» قال: وما قالَ؟ قال: «زَعَمَ أنّه إنْ رَجَعَ إلى المدينةِ لَيُخرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ» قال: فأنتَ يا رسولَ الله واللهِ تُخرِجُه إن شئتَ، هو واللهِ الذَّليلُ وأنت العزيزُ، ثمّ قال: يا رسول الله، ارفُقْ به، فوالله لقد جاءَ اللهُ بك وإنَّ قومَه لَيَنظِمونَ له الخَرَزَ ليُتوِّجُوه، فإنّه لَيَرَى أنّك قد استَلَبتَه مُلْكًا.ثمّ مَشَى رسولُ الله ﷺ بالناس يومَهم ذلك حتّى أَمسى، وليلتَهم حتّى أصبَحَ، وصَدْرَ يومِهم ذلك حتّى آذَتْهم الشّمسُ، ثمّ نَزَلَ بالنّاس فلم يَلبَثوا أن وَجَدُوا مَسَّ الأرض فوَقَعوا نِيامًا، وإنّما فعلَ ذلك ليَشغَلَ النّاسَ عن الحديث الذي كان بالأمسِ من حديث عبد الله بن أُبيٍّ.ثمّ راحَ رسولُ الله ﷺ بالنّاس وسَلَكَ الحِجازَ حتّى نَزَلَ على ماءٍ بالحِجازِ فُوَيقَ النَّقِيع يقال له: بَقْعاء، فلمّا راحَ رسولُ الله ﷺ هَبَّتْ على الناس ريحٌ شديدةٌ آذَتْهم وتَخَوَّفوها، فقال رسول الله ﷺ: «لا تَخافُوها، فإنَّما هَبَّتْ لموتِ عَظِيمٍ من عُظَماءِ الكُفّارِ»، فلمّا قَدِموا المدينةَ، وَجَدُوا رِفاعةَ بن زيد بن التّابوتِ أحدَ بني قَينُقاعَ - وكان عظيمًا من عُظَماءِ يهودَ، وكَهْفًا للمنافقين - مات في ذلك اليوم.ونزلت السّورةُ التي ذكرَ اللهُ فيها المنافقين في ابن أُبيٍّ ومَن كان على مِثْل أمرِه، فلمّا نزلت أخَذَ رسولُ الله ﷺ بأُذُن زيدِ بن أرقَمَ ثمّ قال: «هذا الَّذي أَوفَى اللهُ بأُذُنِه».وبَلَغَ عبدَ الله بن عبد الله بن أُبيٍّ الذي كان من أمرِ أبيه.قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصمُ بن عمر بن قَتَادة: أنّ عبدَ الله أَتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّه بَلَغَني أنّك تريدُ قتلَ عبد الله بن أُبيٍّ فيما بَلَغَك عنه، فإن كنتَ فاعلًا فمُرْني به، فأنا أَحمِلُ إليك رأسَه، فوالله لقد عَلِمَت الخَزرَجُ ما كان لها من رجلٍ أبَرَّ بوالدِه منّي، إنّي أَخشى أن تأمُرَ به غيري فيَقتُلَه، فلا تَدَعُني نفسي أنظُرُ إلى قاتل عبد الله بن أُبيٍّ يمشي في الناس فأقتُلَه، فأقتُلَ رجلًا مؤمنًا بكافرٍ فأدخُلَ النارَ، فقال رسول الله ﷺ: «بل نَتَرَفَّقُ به ونُحسِنُ صُحبَتَه ما بَقِيَ معنا».وجَعَلَ بعدَ ذلك إذا أحدَثَ الحَدَثَ كان قومُه هم الذين يُعاتِبونَه ويأخُذونَه ويُعنِّفونَه، فقال رسولُ الله ﷺ لعمر بن الخطّابِ حين بَلَغَه ذلك من شأنِهم: «كيفَ تَرَى يا عمرُ؟! أمَا واللهِ لو قَتَلتُه يومَ قلتَ لي: اقتُلْه، لَأُرعِدَت له آنُفٌ لو أمَرْتُها اليومَ بقتلِه لقَتَلَتْه» قال: قال عمرُ: قد والله عَلِمتُ لَأمرُ رسول الله ﷺ أعظمُ بَرَكةً من أَمري.