Skip to Content
مكتبة الحديثالنص · الدلالة · الشاهد
الأحاديث / قراءة الحديث
مختاراتك للتقرير: 0حدد حتى 100 حديث، ويمكنك متابعة الاختيار بين الصفحات.

السيرة النبوية لابن هشام

حديث 170804

عرض السند

قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ومحمد بن يحيى بن حبان، كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلق؛

قالوا: بَلَغَ رسولَ الله ﷺ أنّ بني المُصطَلِق يَجمَعُون له، وقائدُهم الحارثُ بن أبي ضِرارٍ أبو جُوَيرِيَة بنت الحارث، زوجِ رسول الله ﷺ، فلمّا سمع رسولُ الله ﷺ بهم خرج إليهم حتّى لَقِيَهم على ماءٍ من مياههم يقال له: المُرَيسِيعُ، من ناحية قُدَيدٍ إلى السّاحل، فتَزاحَفَ الناسُ واقتتلوا، فهَزَمَ اللهُ بني المُصطَلِق، وقَتَلَ مَن قَتَلَ منهم، ونَفَّلَ رسولَ الله ﷺ أبناءَهم ونساءَهم وأموالَهم فأفاءَهم عليه. وقد أُصيبَ رجلٌ من المسلمين من بني كَلْب بن عَوْف بن عامر بن ليث بن بكرٍ يقال له: هشام بن صُبَابة، أصابه رجلٌ من الأنصار من رَهْط عُبَادة بن الصّامت وهو يُرَى أنه من العدوِّ فقتله خطأً. فبَيْنا رسولُ الله ﷺ على ذلك الماءِ وَرَدَت واردةُ الناس، ومع عمر بن الخَطّاب أَجيرٌ له من بني غِفارٍ يقال له: جَهْجاهُ بن مسعودٍ، يقودُ فرسَه، فازدَحَمَ جَهْجاهٌ وسِنانُ بن وَبْرٍ الجُهَنيُّ حليفُ بني عَوْف بن الخَزرَج على الماءِ فاقتَتَلا، فصَرَخَ الجُهَنيّ: يا معشرَ الأنصار، وصَرَخَ جَهْجاه: يا معشرَ المهاجرين، فغَضِبَ عبدُ الله بن أُبيِّ ابنِ سَلُولَ وعنده رَهْطٌ من قومه، فيهم زيدُ بن أرقَمَ غلامٌ حَدَثٌ، فقال: أقد فَعَلُوها، قد نافَرُونا وكاثَرُونا في بلادنا، والله ما أعُدُّنا وجلابِيبَ قريش هذه، إلّا كما قال الأوّلُ: سَمِّنْ كلبَك يأكُلْك، أمَا والله لئِنْ رَجَعْنا إلى المدينة ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، ثمّ أقبَلَ على مَن حَضَرَه من قومه فقال: هذا ما فعلتُم بأنفُسِكم، أحلَلتُموهم بلادَكم وقاسَمتُموهم أموالَكم، أمَا والله لو أمسَكتُم عنهم ما بأيديكم، لتَحَوَّلوا إلى غير داركم. فسَمِعَ ذلك زيدُ بن أرقَمَ فمَشَى به إلى رسول الله ﷺ، وذلك عند فراغِ رسول الله ﷺ من عدوِّه، فأخبره الخبرَ وعنده عمرُ بن الخَطّاب، فقال: مُرْ به عبّادَ بن بِشْرٍ فليَقتُلْه، فقال له رسول الله ﷺ: «فكيفَ يا عمرُ إذا تَحدَّثَ النّاسُ أنَّ محمّدًا يَقتُلُ أصحابَه؟! لا، ولكنْ أذِّنْ بالرَّحِيل» وذلك في ساعةٍ لم يكن رسولُ الله ﷺ يَرتحِلُ فيها، فارتَحَلَ الناسُ. وقد مَشَى عبدُ الله بن أُبيِّ ابنِ سَلُولَ إلى رسول الله ﷺ حين بَلَغَه أنّ زيدَ بن أرقَمَ قد بَلَّغَه ما سمعَ منه، فحَلَفَ بالله ما قلتُ ما قال ولا تكلَّمتُ به، وكان في قومه شريفًا عظيمًا، فقال مَن حَضَرَ رسولَ الله ﷺ من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلامُ قد أَوهَمَ في حديثه ولم يَحفَظْ ما قال الرّجلُ؛ حَدَبًا على ابن أُبيٍّ ودَفْعًا عنه. قال ابن إسحاق: فلمّا استَقَلَّ رسولُ الله ﷺ وسارَ لَقِيَه أُسَيدُ بن حُضَيرٍ فحيَّاهُ بتحيّة النُّبوّة وسَلَّمَ عليه، ثمّ قال: يا نبيَّ الله، والله لقد رُحْتَ في ساعةٍ مُنكَرةٍ ما كنتَ تَرُوحُ في مِثلِها! فقال له رسول الله ﷺ: «أوَما بَلَغَك ما قالَ صاحبُكم؟» قال: أيُّ صاحبٍ يا رسول الله؟ قال: «عبدُ الله بن أُبَيٍّ» قال: وما قالَ؟ قال: «زَعَمَ أنّه إنْ رَجَعَ إلى المدينةِ لَيُخرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ» قال: فأنتَ يا رسولَ الله واللهِ تُخرِجُه إن شئتَ، هو واللهِ الذَّليلُ وأنت العزيزُ، ثمّ قال: يا رسول الله، ارفُقْ به، فوالله لقد جاءَ اللهُ بك وإنَّ قومَه لَيَنظِمونَ له الخَرَزَ ليُتوِّجُوه، فإنّه لَيَرَى أنّك قد استَلَبتَه مُلْكًا. ثمّ مَشَى رسولُ الله ﷺ بالناس يومَهم ذلك حتّى أَمسى، وليلتَهم حتّى أصبَحَ، وصَدْرَ يومِهم ذلك حتّى آذَتْهم الشّمسُ، ثمّ نَزَلَ بالنّاس فلم يَلبَثوا أن وَجَدُوا مَسَّ الأرض فوَقَعوا نِيامًا، وإنّما فعلَ ذلك ليَشغَلَ النّاسَ عن الحديث الذي كان بالأمسِ من حديث عبد الله بن أُبيٍّ. ثمّ راحَ رسولُ الله ﷺ بالنّاس وسَلَكَ الحِجازَ حتّى نَزَلَ على ماءٍ بالحِجازِ فُوَيقَ النَّقِيع يقال له: بَقْعاء، فلمّا راحَ رسولُ الله ﷺ هَبَّتْ على الناس ريحٌ شديدةٌ آذَتْهم وتَخَوَّفوها، فقال رسول الله ﷺ: «لا تَخافُوها، فإنَّما هَبَّتْ لموتِ عَظِيمٍ من عُظَماءِ الكُفّارِ»، فلمّا قَدِموا المدينةَ، وَجَدُوا رِفاعةَ بن زيد بن التّابوتِ أحدَ بني قَينُقاعَ - وكان عظيمًا من عُظَماءِ يهودَ، وكَهْفًا للمنافقين - مات في ذلك اليوم. ونزلت السّورةُ التي ذكرَ اللهُ فيها المنافقين في ابن أُبيٍّ ومَن كان على مِثْل أمرِه، فلمّا نزلت أخَذَ رسولُ الله ﷺ بأُذُن زيدِ بن أرقَمَ ثمّ قال: «هذا الَّذي أَوفَى اللهُ بأُذُنِه». وبَلَغَ عبدَ الله بن عبد الله بن أُبيٍّ الذي كان من أمرِ أبيه. قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصمُ بن عمر بن قَتَادة: أنّ عبدَ الله أَتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّه بَلَغَني أنّك تريدُ قتلَ عبد الله بن أُبيٍّ فيما بَلَغَك عنه، فإن كنتَ فاعلًا فمُرْني به، فأنا أَحمِلُ إليك رأسَه، فوالله لقد عَلِمَت الخَزرَجُ ما كان لها من رجلٍ أبَرَّ بوالدِه منّي، إنّي أَخشى أن تأمُرَ به غيري فيَقتُلَه، فلا تَدَعُني نفسي أنظُرُ إلى قاتل عبد الله بن أُبيٍّ يمشي في الناس فأقتُلَه، فأقتُلَ رجلًا مؤمنًا بكافرٍ فأدخُلَ النارَ، فقال رسول الله ﷺ: «بل نَتَرَفَّقُ به ونُحسِنُ صُحبَتَه ما بَقِيَ معنا». وجَعَلَ بعدَ ذلك إذا أحدَثَ الحَدَثَ كان قومُه هم الذين يُعاتِبونَه ويأخُذونَه ويُعنِّفونَه، فقال رسولُ الله ﷺ لعمر بن الخطّابِ حين بَلَغَه ذلك من شأنِهم: «كيفَ تَرَى يا عمرُ؟! أمَا واللهِ لو قَتَلتُه يومَ قلتَ لي: اقتُلْه، لَأُرعِدَت له آنُفٌ لو أمَرْتُها اليومَ بقتلِه لقَتَلَتْه» قال: قال عمرُ: قد والله عَلِمتُ لَأمرُ رسول الله ﷺ أعظمُ بَرَكةً من أَمري.
السيرة النبوية لابن هشام — ج: 3 — ص: 387
الحكم المسجّل: مرسل صحيح
طباعة الحديث

الشواهد المميزة مأخوذة من التصنيفات المنشورة. لعرض شواهد دلالة بعينها اضغط اسمها.

تنزيل هذا الحديث بصيغة Word
النصوص والأحكام من سجلات المكتبة المنشورة. تمييز الشواهد يوضح موضع الاستدلال، ولا يغيّر النص الأصلي.