حدثنا أبو أحمد حدثنا محمد بن يحيى،أبو غسان الكنانيّ أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما
قال: لمّا فَدَعَ أهلُ خَيبَر عبدَ الله بنَ عمرَ، قامَ عمرُ خَطِيبًا، فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ عامَلَ يهودَ خَيبَر على أموالهم، وقال: «نُقِرُّكم ما أقَرَّكُم اللهُ»، وإنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ خَرَجَ إلى مالِه هُناكَ، فعُدِيَ عليه مِن اللَّيلِ، ففُدِعَتْ يَداهُ ورِجْلاه، وليس لنا هُناكَ عَدُوٌّ غيرُهُم، هم عَدُوُّنا وتُهْمَتُنا، وقد رأيتُ إجْلاءَهُم. فلمّا أجْمَعَ عمرُ على ذلكَ أتاه أحدُ بني أبي الحُقَيقِ، فقال: يا أميرَ المؤمنينَ، أتُخرِجُنا وقد أقَرَّنا محمَّدٌ، وعامَلَنا على الأموالِ، وشَرَطَ ذلكَ لنا؟ فقال عمرُ: أظَنَنتَ أنّي نَسِيتُ قولَ رسولِ الله ﷺ: «كيفَ بكَ إذا أُخرِجْتَ مِن خَيبَر تَعْدُو بكَ قَلُوصُكَ ليلةً بعدَ ليلةٍ»؟ فقال: كانت هذه هُزَيلةً مِن أبي القاسمِ، قال: كَذَبْتَ يا عَدُوَّ الله. فأجْلاهم عمرُ، وأعطاهم قِيمةَ ما كانَ لهم منَ الثَّمَرِ مالًا وإبلًا، وعُرُوضًا مِن أقتابٍ وحِبالٍ وغيرِ ذلك.رَوَاه حمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن عُبيدِ الله، أحسِبُه عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ؛ اختَصَرَه.
صحيح البخاري — باب إذا اشترط في المزارعة-كتاب الشروط-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2730 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2730
حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال:أخبرني الزهريّ قال:أخبرني عروة بن الزبير عن المِسْوَر بن مَخْرمة و مروان ملاحظة يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه
قالا: خَرَجَ رسولُ الله ﷺ زَمَنَ الحُدَيبِيةِ حتَّى إذا كانوا ببعضِ الطَّرِيقِ، قال النبيُّ ﷺ: «إنَّ خالدَ بنَ الوليد بالغَمِيمِ في خَيلٍ لقُرَيشٍ طَلِيعةً، فخُذُوا ذاتَ اليمينِ» فوالله ما شَعَرَ بهم خالدٌ، حتَّى إذا هم بقَتَرةِ الجيشِ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لقُرَيشٍ، وسارَ النبيُّ ﷺ، حتَّى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يُهْبَطُ عليهم منها، بَرَكَت به راحلتُه، فقال النّاسُ: حَلْ حَلْ، فألَحَّتْ، فقالوا: خَلَأَتِ القَصْواءُ، فقال النبيُّ ﷺ: «ما خَلَأَتِ القَصْواءُ، وما ذاكَ لها بخُلُقٍ، ولكن حَبَسَها حابسُ الفِيلِ» ثمَّ قال: «والَّذي نفسي بيَدِه! لا يَسْألُونَني خُطّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ الله إلَّا أعطَيتُهم إيّاها» ثمَّ زَجَرَها فوَثَبَت.قال: فعَدَلَ عنهم، حتَّى نزلَ بأقصَى الحُدَيبِيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ يَتَبَرَّضُه النّاسُ تَبرُّضًا، فلم يُلْبِثْهُ النّاسُ حتَّى نَزَحُوه، وشُكِيَ إلى رسولِ الله ﷺ العَطَشُ، فانتَزَعَ سَهْمًا من كِنانَتِه، ثمَّ أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه، فوالله ما زالَ يَجِيشُ لهم بالرِّيِّ حتَّى صَدَرُوا عنه.فبينَما هم كذلك إذ جاء بُدَيلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزاعيُّ في نَفَرٍ من قومِه من خُزاعةَ، وكانوا عَيْبةَ نُصْحِ رسولِ الله ﷺ من أهلِ تِهامةَ، فقال: إنّي تَرَكْتُ كَعْبَ بنَ لُؤَيٍّ وعامِرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلُوا أعدادَ مِياهِ الحُدَيبِيةِ، ومعهم العُوذُ المَطافيلُ، وهم مُقاتِلُوكَ وصادُّوكَ عن البيتِ، فقال رسولُ الله ﷺ: «إنّا لم نَجِئْ لقتال أحدٍ، ولكنّا جِئْنا مُعتَمِرِينَ، وإنَّ قُرَيشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ وأضَرَّت بهم، فإن شاؤوا مادَدْتُهم مُدّةً، ويُخَلُّوا بيني وبين النّاسِ، فإنْ أظْهَرْ، فإن شاؤوا أن يَدخُلُوا فيما دَخَلَ فيه النّاسُ فعَلُوا، وإلَّا فقد جَمُّوا، وإن هم أبَوْا فوَالَّذي نفسي بيَدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتَّى تَنفَرِدَ سالِفَتي، ولَيُنفِذَنَّ الله أمرَه»فقال بُدَيلٌ: سأُبلِّغُهم ما تقولُ.قال: فانطَلَقَ حتَّى أتى قُرَيشًا، قال: إنّا قد جِئْناكُم من هذا الرجلِ، وسَمِعْناه يقول قولًا، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكُم فَعَلْنا، فقال سُفَهاؤُهمْ: لا حاجةَ لنا أن تُخبِرَنا عنه بشيءٍ، وقال ذَوُو الرَّأيِ منهم: هاتِ ما سمعتَه يقول، قال: سمعتُه يقول كذا وكذا، فحدَّثهم بما قال النبيُّ ﷺ، فقامَ عُرْوةُ بنُ مسعودٍ فقال: أيْ قومِ، ألَسْتُم بالوالدِ؟ قالوا: بَلَى، قال: أوَلَسْتُ بالوَلَدِ؟ قالوا: بَلَى، قال: فهَل تَتَّهموني؟ قالوا: لا، قال: ألَسْتُم تَعْلَمونَ أنّي استَنْفَرْتُ أهلَ عُكَاظَ، فلمّا بَلَّحُوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي ووَلَدي ومَن أطاعَني؟ قالوا: بَلَى، قال: فإنَّ هذا قد عَرَضَ لكم خُطّةَ رُشْدٍ اقبَلُوها، ودَعُوني آتِهِ، قالوا: ائْتِه.فأتاهُ فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ نَحوًا من قولِه لبُديلٍ، فقال عُرْوةُ عندَ ذلك: أيْ محمَّدُ، أرأيتَ إنِ استَأصَلْتَ أمرَ قومِكَ، هل سمعتَ بأحدٍ مِن العربِ اجْتاحَ أهلَه قبلَكَ؟ وإن تَكُنِ الأخرَى، فإنّي والله لا أَرى وُجُوهًا، وإنّي لأرَى أَشْوابًا مِن النّاسِ خَلِيقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ، فقال له أبو بكرٍ: امصَصْ بَظْرَ اللَّاتِ! أنحنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه؟ فقال: مَن ذا؟ قالوا: أبو بكرٍ، قال: أما والَّذي نفسي بيَدِه، لَوْلا يَدٌ كانت لكَ عندي لم أجْزِكَ بها لأجَبتُك.قال: وجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ، فكُلَّما تَكَلَّمَ كَلِمَةً أخَذَ بلِحْيَتِه، والمغيرةُ بنُ شُعْبةَ قائمٌ على رَأسِ النبيِّ ﷺ ومعه السَّيفُ وعليه المِغْفَرُ، فكلَّما أهوَى عُرْوةُ بيَدِه إلى لِحيَةِ النبيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَه بنَعْلِ السَّيفِ، وقال له: أخِّر يَدَكَ عن لِحيَةِ رسولِ الله ﷺ، فرَفَعَ عُرْوةُ رَأسَه فقال: مَن هذا؟ قالوا: المغيرةُ بنُ شُعْبةَ، فقال: أيْ غُدَرُ! ألَسْتُ أسعَى في غَدْرَتِكَ؟ وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهلِيَّةِ فقَتَلهم، وأخَذَ أموالَهم، ثمَّ جاء فأسلَمَ، فقال النبيُّ ﷺ: «أمَّا الإسلامَ فأقبَلُ، وأمَّا المالَ فلَسْتُ منه في شيءٍ».ثمَّ إنَّ عُرْوةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ ﷺ بعَينَيهِ، قال: فوالله ما تَنَخَّمَ رسولُ الله ﷺ نُخامةً إلَّا وقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ منهم، فدَلَكَ بها وَجْهَه وجِلْدَه، وإذا أمَرَهم ابتَدَرُوا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِه، وإذا تكلَّموا خَفَضُوا أصواتَهم عندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا له.فرَجَعَ عُرْوةُ إلى أصحابه، فقال: أيْ قومِ، والله لقد وَفَدْتُ على الملوكِ، ووَفَدْتُ على قَيصَرَ وكِسْرَى والنَّجاشيِّ، والله إن رأيتُ مَلِيكًا قَطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ محمَّدٍ محمَّدًا! والله إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَت في كَفِّ رجلٍ منهم فدَلَكَ بها وَجْهَه وجِلْدَه، وإذا أمَرَهم ابْتَدَرُوا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِه، وإذا تَكَلَّموا خَفَضُوا أصواتَهم عندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا له، وإنَّه قد عَرَضَ عليكُم خُطّةَ رُشْدٍ فاقبَلُوها، فقال رجلٌ من بني كِنانةَ: دَعُوني آتِيه، فقالوا: ائْتِه.فلمّا أشْرَفَ على النبيِّ ﷺ وأصحابِه، قال رسولُ الله ﷺ: «هذا فلانٌ، وهو من قومٍ يُعَظِّمونَ البُدْنَ، فابْعَثُوها له» فبُعِثَت له، واستَقْبَلَه النّاسُ يُلَبُّونَ، فلمّا رَأى ذلك قال: سبحانَ الله! ما ينبغي لهؤُلاءِ أن يُصَدُّوا عن البيتِ، فلمّا رَجَعَ إلى أصحابه قال: رأيتُ البُدْنَ قد قُلِّدَت وأُشْعِرَت، فما أرَى أن يُصَدُّوا عن البيتِ، فقامَ رجلٌ منهم يقالُ له: مِكْرَزُ بنُ حَفصٍ، فقال: دَعُوني آتِهِ، فقالوا: ائْتِه. فلمّا أشْرَفَ عليهم قال النبيُّ ﷺ: «هذا مِكْرَزٌ، وهو رجلٌ فاجِرٌ» فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ، فبينَما هو يُكَلِّمُه إذ جاء سُهَيلُ بنُ عَمْرٍو.قال مَعمَرٌ: فأخبرني أيوبُ، عن عِكْرِمةَ: أنَّه لمّا جاء سُهَيلُ بنُ عَمْرٍو قال النبيُّ ﷺ: «لقد سَهُلَ لكم من أمرِكُمْ» قال مَعمَرٌ: قال الزُّهْريُّ في حديثِه: فجاء سُهَيلُ بنُ عَمْرٍو، فقال: هاتِ اكْتُب بينَنا وبينَكُم كتابًا، فدَعا النبيُّ ﷺ الكاتِبَ، فقال النبيُّ ﷺ: «بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ» فقال سُهَيلٌ: أمَّا الرَّحمنُ، فوالله ما أدري ما هي؟ ولكنِ اكتُبْ: باسمِكَ اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبُ، فقال المسلمونَ: والله لا نَكْتُبُها إلَّا بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، فقال النبيُّ ﷺ: «اكْتُبْ: باسمِكَ اللهمَّ»، ثمَّ قال: «هذا ما قاضَى عليه محمَّدٌ رسولُ الله» فقال سُهَيلٌ: والله لو كنَّا نعلمُ أنَّكَ رسولُ الله ما صَدَدْناكَ عن البيتِ، ولا قاتَلْناكَ، ولكنِ اكتُبْ: محمَّدُ بنُ عبدِ الله، فقال النبيُّ ﷺ: «والله إنّي لَرسولُ الله وإن كَذَّبتُموني! اكْتُب: محمَّدُ بنُ عبدِ الله» - قال الزُّهْريُّ: وذلك لقولِه: «لا يَسْألُونَني خُطّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ الله إلا أعطَيتُهم إيّاها» - فقال له النبيُّ ﷺ: «على أن تُخَلُّوا بينَنا وبين البيتِ، فنَطُوفَ به» فقال سُهَيلٌ: والله لا تَتَحدَّثُ العربُ أنّا أُخِذْنا ضُغْطةً، ولكن ذلك مِن العامِ المقْبِلِ، فكَتَبَ، فقال سُهَيلٌ: وعلى أنَّه لا يأتيكَ مِنّا رجلٌ وإن كان على دِينِكَ إلا رَدَدْتَه إلَينا، قال المسلمونَ: سبحانَ الله! كيفَ يُرَدُّ إلى المشرِكِينَ وقد جاء مُسلِمًا؟! فبينَما هم كذلك إذ دَخَلَ أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ في قُيُودِه، وقد خَرَجَ من أسفَلِ مكَّةَ حتَّى رَمَى بنفسِه بين أظْهُرِ المسلمِينَ، فقال سُهَيلٌ: هذا يا محمَّدُ أوَّلُ مَنْ أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ، فقال النبيُّ ﷺ: «إنّا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ» قال: فوالله إذًا لم أُصالِحْكَ على شيءٍ أبدًا! قال النبيُّ ﷺ: «فأَجِزْهُ لي» قال: ما أنا بمُجِيزِه لكَ، قال: «بَلَى فافعَلْ» قال: ما أنا بفاعلٍ، قال مِكْرَزٌ: بَل قد أجَزْناه لكَ، قال أبو جَنْدَلٍ: أي مَعْشَرَ المسلمِينَ، أُرَدُّ إلى المشرِكِينَ وقد جِئْتُ مُسلِمًا؟ ألا تَرَوْنَ ما قد لَقِيتُ؟ وكان قد عُذِّبَ عَذابًا شديدًا في الله.قال: فقال عمرُ بنُ الخطَّاب: فأتيتُ نبيَّ الله ﷺ، فقلتُ: ألَسْتَ نبيَّ الله حقًّا؟ قال: «بَلَى»، قلتُ: ألَسْنا على الحقِّ وعَدُوُّنا على الباطلِ؟ قال: «بَلَى» قلتُ: فلِمَ نُعْطي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا إذًا؟ قال: «إنّي رسولُ الله، ولستُ أعصِيهِ، وهو ناصِرِي» قلتُ: أوَليسَ كنتَ تُحَدِّثُنا أنّا سَنأتي البيتَ فنَطُوفُ به؟ قال: «بَلَى، فأخبَرْتُكَ أنّا نأتيه العامَ؟» قال: قلتُ: لا، قال: «فإنَّكَ آتِيه ومُطَّوِّفٌ به» قال: فأتيتُ أبا بكرٍ، فقلتُ: يا أبا بكرٍ، أليسَ هذا نبيَّ الله حقًّا؟ قال: بَلَى، قلتُ: أَلَسْنا على الحقِّ وعَدُوُّنا على الباطلِ؟ قال: بَلَى، قلتُ: فلِمَ نُعْطي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا إذًا؟ قال: أيُّها الرجلُ! إنَّه لَرسولُ الله ﷺ، وليسَ يَعْصي رَبَّه، وهو ناصِرُه، فاستَمْسِك بغَرْزِه، فوالله إنَّه على الحقِّ، قلتُ: أليسَ كان يُحدِّثُنا أنّا سَنأتي البيتَ ونَطُوفُ به؟ قال: بَلَى، أفَأخبَركَ أنَّكَ تأْتيهِ العامَ؟ قلتُ: لا، قال: فإنَّكَ آتِيهِ ومُطَّوِّفٌ به، قال الزُّهْريُّ: قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلك أعمالًا.قال: فلمّا فرَغَ من قَضِيَّةِ الكتاب، قال رسولُ الله ﷺ لأصحابه: «قُومُوا فانحَرُوا ثمَّ احلِقُوا» قال: فوالله ما قامَ منهم رجلٌ حتَّى قال ذلك ثلاثَ مَرّاتٍ، فلمّا لم يَقُمْ منهم أحدٌ دَخَلَ على أُمِّ سَلَمةَ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن النّاسِ، فقالت أُمُّ سَلَمةَ: يا نبيَّ الله، أتُحِبُّ ذلك؟ اخرُج، ثمَّ لا تُكَلِّم أحدًا منهم كلمةً حتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حالِقَكَ فيَحلِقَكَ، فخَرَجَ فلم يُكَلِّم أحدًا منهم، حتَّى فعَلَ ذلك، نَحَرَ بُدْنَه ودَعا حالِقَه فحَلَقَه، فلمّا رَأوْا ذلك قامُوا فنَحَرُوا، وجَعَلَ بعضُهم يَحلِقُ بعضًا، حتَّى كادَ بعضُهم يَقْتُلُ بعضًا غَمًّا.ثمَّ جاءه نِسْوةٌ مُؤْمِناتٌ، فأنزلَ الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: ١٠]، فطَلَّقَ عمرُ يومَئذٍ امرأتينِ كانَتا له في الشِّرْكِ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، والأخرَى صَفْوانُ بنُ أُميَّةَ.ثمَّ رَجَعَ النبيُّ ﷺ إلى المدينةِ، فجاءه أبو بَصِيرٍ رجلٌ من قُرَيشٍ وهو مُسلِمٌ، فأرسَلُوا في طَلَبِه رَجلَينِ، فقالوا: العَهْدَ الَّذي جَعَلْتَ لَنا؟ فدَفَعَه إلى الرَّجلَينِ، فخَرَجا به حتَّى بَلَغا ذا الحُلَيفةِ فنزلُوا يأكُلُونَ من تَمْرٍ لهم، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرَّجلَينِ: والله إنّي لأرَى سَيفَكَ هذا يا فلانُ جيِّدًا، فاستَلَّه الآخَرُ، فقال: أجَل، والله إنَّه لَجيِّدٌ! لقد جَرَّبتُ به، ثمَّ جَرَّبْتُ به، ثمَّ جَرَّبتُ، فقال أبو بَصِيرٍ: أرِني أنْظُرْ إليه، فأَمكَنَه منه، فضَرَبَه حتَّى بَرَدَ، وفَرَّ الآخَرُ حتَّى أتى المدينةَ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو، فقال رسولُ الله ﷺ حينَ رآه: «لقد رَأى هذا ذُعْرًا»، فلمّا انتَهَى إلى النبيِّ ﷺ قال: قُتِلَ والله صاحبي، وإنّي لَمَقْتُولٌ، فجاء أبو بَصِيرٍ فقال: يا نبيَّ الله، قد والله أوْفَى الله ذِمَّتَكَ، قد رَدَدْتَني إليهم، ثمَّ أنْجاني الله منهم، قال النبيُّ ﷺ: «ويلُ أُمِّه مِسْعَرَ حَرْبٍ، لو كان له أحدٌ»، فلمّا سمعَ ذلك عَرَفَ أنَّه سَيردُّه إليهم، فخَرَجَ حتَّى أتى سِيفَ البَحْرِ.قال: ويَنفَلِتُ منهم أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيلٍ فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ، فجَعَلَ لا يَخرُجُ من قُرَيشٍ رجلٌ قد أسلَمَ إلا لَحِقَ بأبي بَصِيرٍ، حتَّى اجْتَمَعَت منهم عِصابةٌ، فوالله ما يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَت لقُرَيشٍ إلى الشَّامِ إلا اعتَرَضُوا لها فقَتَلُوهم وأخَذُوا أموالَهم، فأرسَلَت قُرَيشٌ إلى النبيِّ ﷺ تُناشدُه اللهَ والرَّحِمَ لمَّا أرسَلَ، فمَن أتاه فهو آمِنٌ، فأرسَلَ النبيُّ ﷺ إليهم، فأنزلَ الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} حتَّى بَلَغَ: {الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 24-٢٦] وكانت حَمِيَّتُهم أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نبيُّ الله، ولم يُقِرُّوا ببِسْمِ الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، وحالُوا بينهم وبين البيتِ.قال أبو عبد الله: {مَعَرَّةٌ} العَرُّ: الجَرَبُ، {تَزَيَّلُوا}: انمازُوا. وحَمَيتُ القومَ: مَنَعْتُهم، حِمايةً، وأَحمَيتُ الحِمَى: جَعلتُه حِمًى لا يُدخَل. وأَحميتُ الرَّجلَ: إذا أَعضبتُه إحماءً.
صحيح البخاري — باب الشروط في الجهاد والمصالحة-كتاب الشروط-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2731 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2731
حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال:أخبرني الزهريّ قال:أخبرني عروة بن الزبير عن المِسْوَر بن مَخْرمة و مروان ملاحظة يصدق كل منهما حديث صاحبه
عن المِسْوَرِ بنِ مَخرَمةَ ومروانَ يُصدِّقُ كلُّ واحدٍ منهما حديثَ صاحبِه، قالا: خَرَجَ رسول الله ﷺ زَمَنَ الحُدَيبِيَةِ حتَّى كانوا ببعضِ الطَّريقِ، قال النبيُّ ﷺ: «إنَّ خالدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيمِ في خَيلٍ لِقُرَيشٍ طَلِيعةً، فخُذُوا ذاتَ اليمينِ» فوالله ما شَعَرَ بهم خالدٌ حتَّى إذا هم بقَتَرةِ الجيشِ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لقُرَيشٍ، وسارَ النبيُّ ﷺ، حتَّى إذا كانَ بالثَّنِيَّةِ الَّتي يُهبَطُ عليهم منها، بَرَكَتْ به راحِلتُه، فقال النّاسُ: حَلْ حَلْ، فألَحَّتْ، فقالوا: خَلَأَتِ القَصْواءُ، خَلَأَتِ القَصْواءُ، فقال النبيُّ ﷺ: «ما خَلَأَتِ القَصْواءُ، وما ذاكَ لها بخُلُقٍ، ولكنْ حَبَسَها حابسُ الفِيلِ» ثمَّ قال: «والَّذي نَفْسي بيدِه، لا يَسْألوني خُطّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ الله إلَّا أعطَيتُهم إيّاها» ثمَّ زَجَرَها، فوَثَبَتْ، قال: فعَدَلَ عنهُم، حتَّى نَزَلَ بأقصَى الحُدَيبِيَةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ يَتبرَّضُه النّاسُ تَبرُّضًا، فلم يُلَبِّثْه النّاسُ حتَّى نَزَحُوه، وشُكِيَ إلى رسول الله ﷺ العَطَشُ، فانتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِه، ثمَّ أمَرَهم أنْ يَجعَلُوه فيه، فوالله ما زالَ يَجِيشُ لهم بالرِّيِّ حتَّى صَدَرُوا عنه.فبينَما هم كذلكَ إذْ جاءَ بُدَيلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزَاعيُّ في نَفَرٍ مِن قومِه مِن خُزَاعةَ، وكانوا عَيْبةَ نُصْحِ رسول الله ﷺ مِن أهلِ تِهامةَ، فقال: إنّي تَرَكْتُ كَعْبَ بنَ لُؤَيٍّ وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أعدادَ مِياهِ الحُدَيبِيَةِ، ومَعَهُم العُوذُ المَطَافيلُ، وهم مُقاتلُوكَ وصادُّوكَ عن البيتِ، فقال رسول الله ﷺ: «إنّا لم نَجِئْ لقتالِ أحدٍ، ولكنّا جئنا مُعتَمِرِينَ، وإنَّ قُرَيشًا قد نَهِكَتْهُم الحربُ وأضَرَّتْ بهم، فإنْ شاؤوا مادَدْتُهم مُدّةً، ويُخَلُّوا بيني وبينَ النّاس، فإنْ أظْهَرْ فإنْ شاؤوا أنْ يَدخُلُوا فيما دَخَلَ فيه النّاسُ فَعَلُوا، وإلَّا فقد جَمُّوا، وإنْ هم أبَوْا فوالَّذي نَفْسي بيدِه لأقاتِلَنَّهم على أمري هذا، حتَّى تَنفَرِدَ سالِفَتي، ولَيُنفِذَنَّ اللهُ أمرَه». فقال بُدَيلٌ: سأُبلِّغُهم ما تقولُ. قال: فانطَلَقَ حتَّى أتى قُرَيشًا، قال: إنّا قد جئناكم مِن هذا الرَّجلِ، وسمعْناه يقولُ قولًا، فإنْ شِئتُم أنْ نَعْرِضَه عليكم فَعَلْنا، فقال سُفَهاؤُهم: لا حاجةَ لنا أنْ تُخبِرَنا عنه بشيءٍ. وقال ذَوُو الرَّأْيِ منهم: هاتِ ما سمعتَه يقولُ، قال: سمعتُه يقولُ كذا وكذا، فحَدَّثَهم بما قال النبيُّ ﷺ. فقامَ عُرْوةُ بنُ مسعودٍ فقال: أيْ قومِ، ألستُم بالوالدِ؟ قالوا: بَلَى، قال: أوَلستُ بالولدِ؟ قالوا: بَلَى، قال: فهل تَتَّهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستُم تَعلَمونَ أنّي استَنفَرْتُ أهلَ عُكَاظٍ فلمّا بَلَّحُوا عليَّ جئتُكم بأهلي ووَلَدي ومَن أطاعَني؟ قالوا: بَلَى، قال: فإنَّ هذا قد عَرَضَ لكم خُطّةَ رُشْدٍ اقبَلُوها، ودَعُوني آتِيه، قالوا: ائْتِه. فأتاه فجَعَلَ يُكلِّمُ النبيَّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ نَحْوًا مِن قولِه لِبُدَيْلٍ، فقال عُرْوةُ عندَ ذلكَ: أيْ محمَّدُ، أرأيتَ إنِ استأْصَلْتَ أمرَ قومِكَ، هل سمعتَ بأحدٍ مِنَ العربِ اجتاحَ أهلَه قبلَكَ؟ وإنْ تَكُنِ الأخرَى، فإنّي والله لَأرَى وجوهًا، وإنّي لأرَى أشْوابًا مِن النّاس خَلِيقًا أنْ يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ، فقال له أبو بكرٍ: امصَصْ ببَظْرِ اللَّاتِ، أنحنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه؟! فقال: مَن ذا؟ قالوا: أبو بكرٍ، قال: أمَا والَّذي نَفْسي بيدِه، لولا يَدٌ كانت لكَ عندي لم أجْزِكَ بها لأجَبْتُكَ. قال: وجَعَلَ يُكلِّمُ النبيَّ ﷺ، فكلَّما تَكلَّمَ أخَذَ بلِحْيَتِه، والمغيرةُ بنُ شُعْبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ ﷺ ومَعَه السَّيفُ وعليه المِغْفَرُ، فكلَّما أهوَى عُرْوةُ بيدِه إلى لحيةِ النبيِّ ﷺ ضَرَبَ يدَه بنَعْلِ السَّيفِ، وقال له: أخِّرْ يَدَكَ عن لحيةِ رسول الله ﷺ، فرَفَعَ عُرْوةُ رأسَه فقال: مَن هذا؟ قالوا: المغيرةُ بنُ شُعْبةَ، فقال: أيْ غُدَرُ، ألستُ أسعَى في غَدْرَتِكَ؟ وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليَّةِ فقَتَلهم وأخَذَ أموالهم، ثمَّ جاءَ فأسلَمَ، فقال النبيُّ ﷺ: «أمَّا الإسلامَ فأقبَلُ، وأمَّا المالَ فلستُ منه في شيءٍ». ثمَّ إنَّ عُرْوةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ ﷺ بعَينَيه، قال: فوالله ما تَنَخَّمَ رسول الله ﷺ نُخَامةً إلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رجلٍ منهم، فدَلَكَ بها وجهَه وجِلْدَه، وإذا أمَرَهُم ابتَدَرُوا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادُوا يَقْتَتِلونَ على وَضُوئِه، وإذا تَكلَّم خَفَضُوا أصواتَهم عندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا له، فرَجَعَ عُرْوةُ إلى أصحابِه، فقال: أيْ قومِ، والله لقد وَفَدْتُ على الملوكِ، ووَفَدْتُ على قَيصَرَ وكِسْرى والنَّجَاشِيِّ، والله إنْ رأيتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ محمَّدٍ محمَّدًا! والله إنْ تَنَخَّمَ نُخَامةً إلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رجلٍ منهم، فدَلَكَ بها وجهَه وجِلْدَه، وإذا أمَرَهُم ابتَدَرُوا أمرَه، وإذا تَوضَّأَ كادُوا يَقْتَتِلونَ على وَضُوئِه، وإذا تَكلَّمَ خَفَضُوا أصواتَهم عندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا له، وإنَّه قد عَرَضَ عليكم خُطّةَ رُشْدٍ فاقبَلُوها.فقال رجلٌ مِن بني كِنانةَ: دَعُوني آتِيه، فقالوا: ائْتِه. فلمّا أشْرَفَ على النبيِّ ﷺ وأصحابِه، قال رسول الله ﷺ: «هذا فلانٌ، وهو مِن قومٍ يُعَظِّمونَ البُدْنَ، فابعَثُوها له» فبُعِثَتْ له، واستَقبَلَه النّاسُ يُلَبّونَ، فلمّا رأى ذلكَ قال: سُبْحانَ الله! ما يَنبَغي لهؤُلاءِ أنْ يُصَدُّوا عن البيتِ. فلمّا رَجَعَ إلى أصحابه قال: رأيتُ البُدْنَ قد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ، فما أرَى أنْ يُصَدُّوا عن البيتِ. فقامَ رجلٌ منهم يُقالُ له: مِكْرَزُ بنُ حَفْصٍ، فقال: دَعُوني آتِيه، فقالوا: ائْتِه. فلمّا أشْرَفَ عليهم قال النبيُّ ﷺ: «هذا مِكْرَزٌ، وهو رجلٌ فاجِرٌ». فجَعَلَ يُكلِّمُ النبيَّ ﷺ، فبينَما هو يُكلِّمُه إذْ جاءَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو.قال مَعمَرٌ: فأخبرني أيوبُ، عن عِكْرمةَ: أنَّه لمّا جاءَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو قال النبيُّ ﷺ: «لقد سَهُلَ لكم مِن أمرِكُم».قال مَعمَرٌ: قال الزُّهْريُّ في حديثِه: فجاءَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنا وبينَكم كتابًا، فدَعَا النبيُّ ﷺ الكاتِبَ، فقال النبيُّ ﷺ: «بِسْم الله الرَّحمنِ الرَّحيم» قال سُهَيلٌ: أمَّا الرَّحمنُ فوالله ما أدري ما هو، ولكنِ اكتُبْ: باسمِكَ اللهمَّ كما كنتَ تَكْتُبُ، فقال المسلمونَ: والله لا نَكْتُبُها إلَّا «بِسْم الله الرَّحمنِ الرَّحيم». فقال النبيُّ ﷺ: «اكتُبْ باسمِكَ اللهمَّ»، ثمَّ قال: «هذا ما قاضَى عليه محمَّدٌ رسول الله» فقال سُهَيلٌ: والله لو كنَّا نَعْلَمُ أنَّكَ رسول الله، ما صَدَدْناكَ عن البيتِ، ولا قاتَلْناكَ، ولكنِ اكتُبْ: محمَّدُ بنُ عبد الله، فقال النبيُّ ﷺ: «والله إنّي لَرسول الله، وإنْ كَذَّبْتُموني. اكتُبْ: محمَّدُ بنُ عبد الله». قال الزُّهْريُّ: وذلكَ لقولِه: «لا يَسْألوني خُطّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ الله إلَّا أعطَيتُهم إيّاها». فقال له النبيُّ ﷺ: «على أنْ تُخلُّوا بينَنا وبينَ البيتِ، فنَطُوفَ به»، فقال سُهَيلٌ: والله لا تَتَحَدَّثُ العربُ أنّا أُخِذْنا ضُغْطةً، ولكنْ ذلكَ مِنَ العامِ المُقْبِلِ، فكَتَبَ، فقال سُهَيلٌ: وعلى أنَّه لا يأتيكَ مِنّا رجلٌ وإنْ كانَ على دِينِكَ إلا رَدَدْتَه إلينا، قال المسلمونَ: سُبْحانَ الله، كيفَ يُرَدُّ إلى المشركينَ وقد جاءَ مُسلِمًا؟فبينَما هم كذلكَ إذْ دَخَلَ أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو يَرْسُفُ في قُيُودِه، وقد خَرَجَ مِن أسفَلِ مكَّةَ حتَّى رَمَى بنَفْسِه بينَ أظْهُرِ المسلمينَ، فقال سُهَيلٌ: هذا يا محمَّدُ أوَّلُ ما أُقاضِيكَ عليه أنْ تَرُدَّه إليَّ، فقال النبيُّ ﷺ: «إنّا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ» قال: فوالله إذًا لم أُصالحْك على شيءٍ أبدًا، قال النبيُّ ﷺ: «فأجِزْه لي» قال: ما أنا بمُجِيزِه لَكَ، قال: «بَلَى فافعَلْ» قال: ما أنا بفاعلٍ. قال مِكْرَزٌ: بل قد أجَزْناه لَكَ. قال أبو جَندَلٍ: أيْ مَعشَرَ المسلمينَ، أُرَدُّ إلى المشركينَ وقد جئتُ مُسلِمًا؟! ألا تَرَوْنَ ما قد لَقِيتُ؟ وكان قد عُذِّبَ عَذابًا شديدًا في الله. قال: فقال عمرُ بنُ الخطَّاب: فأتيتُ نبيَّ الله ﷺ، فقلتُ: ألستَ نبيَّ الله حَقًّا؟ قال: «بَلَى» قلتُ: ألَسْنا على الحقِّ وعَدُوُّنا على الباطلِ؟ قال: «بَلَى» قلتُ: فلِمَ نُعْطي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا إذًا؟ قال: «إنّي رسول الله، ولستُ أَعصِيه، وهو ناصِري» قلتُ: أوَليسَ كنتَ تُحدِّثُنا أنّا سنأْتي البيتَ فنَطُوفُ به؟ قال: «بَلَى، فأخبَرْتُكَ أنّا نَأْتيهِ العامَ؟» قال: قلتُ: لا، قال: «فإنَّكَ آتِيهِ ومُطَّوِّفٌ به». قال: فأتيتُ أبا بكرٍ، فقلتُ: يا أبا بكرٍ، أليس هذا نبيَّ الله حَقًّا؟ قال: بَلَى، قلتُ: ألَسْنا على الحقِّ وعَدُوُّنا على الباطلِ؟ قال: بَلَى، قلتُ: فلِمَ نُعْطي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا إذًا؟ قال: أيُّها الرَّجلُ، إنَّه لَرسول الله، وليس يَعْصي ربَّه، وهو ناصِرُه، فاستَمْسِكْ بغَرْزِه، فوالله إنَّه على الحقِّ، قلتُ: أليس كانَ يُحدِّثُنا أنّا سنأْتي البيتَ ونَطُوفُ به؟ قال: بَلَى، أفأخبَركَ أنَّكَ تَأْتيهِ العامَ؟ قلتُ: لا، قال: فإنَّكَ آتِيهِ ومُطَّوِّفٌ به. قال الزُّهْريُّ: قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلكَ أعمالًا.قال: فلمّا فَرَغَ مِن قَضِيَّةِ الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابِه: «قُومُوا فانحَرُوا، ثمَّ احلِقُوا» قال: فوالله ما قامَ منهم رجلٌ حتَّى قال ذلكَ ثلاثَ مرَّاتٍ، فلمّا لم يَقُمْ منهم أحدٌ، دَخَلَ على أمِّ سَلَمةَ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ منَ النّاس، فقالت أمُّ سَلَمةَ: يا نبيَّ الله، أتُحِبُّ ذلكَ؟ اخرُجْ ثمَّ لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كَلِمةً حتَّى تَنحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حالقَكَ فيَحلِقَكَ. فخَرَجَ فلم يُكلِّمْ أحدًا منهم، حتَّى فَعَلَ ذلكَ، نَحَرَ بُدْنَه، ودَعَا حالقَه فحَلَقَه، فلمّا رَأَوْا ذلكَ قامُوا فنَحَرُوا، وجَعَلَ بعضُهم يَحلِقُ بعضًا، حتَّى كادَ بعضُهم يَقتُلُ بعضًا غَمًّا.ثمَّ جاءَه نِسْوةٌ مُؤْمِناتٌ، فأنزلَ الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} ﱢ حتَّى بَلَغَ: {بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: ١٠]، فطَلَّقَ عمرُ يومَئذٍ امرأتينِ كانتا له في الشِّرْكِ، فتَزوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، والأخرَى صَفْوانُ بنُ أُميَّةَ. ثمَّ رَجَعَ النبيُّ ﷺ إلى المدينةِ، فجاءَه أبو بَصِيرٍ، رجلٌ مِن قُرَيشٍ وهو مُسلِمٌ، فأرسَلُوا في طَلَبِه رجلَينِ، فقالوا: العَهْدَ الَّذي جَعَلْتَ لنا؟ فدَفَعَه إلى الرَّجلَينِ، فخَرَجا به حتَّى بَلَغا ذا الحُلَيفةِ فنَزَلُوا يَأْكُلونَ من تمرٍ لهم، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرَّجلَينِ: والله إنّي لَأرَى سيفَكَ هذا يا فلانُ جَيِّدًا، فاستَلَّه الآخرُ، فقال: أجَلْ، والله إنَّه لَجيِّدٌ، لقد جَرَّبْتُ به ثمَّ جَرَّبْتُ. فقال أبو بَصِيرٍ: أَرِني أنظُرْ إليه، فأمكَنَه منه، فضَرَبَه حتَّى بَرَدَ، وفَرَّ الآخرُ حتَّى أتى المدينةَ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو، فقال رسول الله ﷺ حينَ رَآه: «لقد رأى هذا ذُعْرًا» فلمّا انتَهَى إلى النبيِّ ﷺ قال: قُتِلَ والله صاحبي، وإنّي لمقتولٌ. فجاءَ أبو بَصِيرٍ فقال: يا نبيَّ الله، قد والله أَوفَى اللهُ ذِمَّتَكَ، قد رَدَدْتَني إليهم، ثمَّ أنْجَاني اللهُ منهم، قال النبيُّ ﷺ: «وَيْلُ أمِّهِ مِسعَرَ حَرْبٍ، لو كانَ له أَحدٌ»، فلمّا سمعَ ذلكَ عَرَفَ أنَّه سَيَرُدُّه إليهم، فخَرَجَ حتَّى أتى سِيفَ البحرِ، قال: ويَنفَلِتُ منهم أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلٍ فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ، فجَعَلَ لا يَخرُجُ مِن قُرَيشٍ رجلٌ قد أسلَمَ إلَّا لَحِقَ بأبي بَصِيرٍ، حتَّى اجتَمَعَتْ منهم عِصابةٌ، فوالله ما يَسمَعونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيشٍ إلى الشَّامِ إلَّا اعتَرَضُوا لها، فقَتَلُوهم وأخَذُوا أموالَهم، فأرسَلَتْ قُرَيشٌ إلى النبيِّ ﷺ تُناشِدُه بالله والرَّحِمِ لمّا أرسَلَ، فمَن أتاه فهو آمِنٌ، فأرسَلَ النبيُّ ﷺ إليهم.فأنزلَ الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} حتَّى بَلَغَ: {الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح:24- ٢٦]، وكانت حَمِيَّتُهم أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نبيُّ الله، ولم يُقِرُّوا بـ «بِسْم الله الرَّحمنِ الرَّحيم»، وحالُوا بينَهم وبينَ البيتِ.قال أبو عبد الله: {مَعَرَّةٌ} العَرُّ: الجَرَبُ، {تَزَيَّلُوا}: انمازُوا. وحَمَيتُ القومَ: مَنَعْتُهم، حِمايةً، وأَحمَيتُ الحِمَى: جَعلتُه حِمًى لا يُدخَل. وأَحميتُ الرَّجلَ: إذا أَعضبتُه إحماءً.
صحيح البخاري — باب الشروط في الجهاد والمصالحة-كتاب الشروط-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2732 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2732
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاريّ حدثنا ابن عون قال:أنبأني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما
أنَّ عمرَ بنَ الخطَّاب أصابَ أرضًا بخَيْبرَ، فأتَى النبيَّ ﷺ يَستأْمِرُه فيها، فقال: يا رسولَ الله، إنّي أصَبْتُ أرضًا بخَيْبرَ، لم أُصِبْ مالًا قَطُّ أنفَسَ عندي منه، فما تَأْمُرُ به؟ قال: «إنْ شِئتَ حَبَّسْتَ أصلَها، وتَصَدَّقْتَ بها»، قال: فتَصَدَّقَ بها عمرُ أنَّه لا يُباعُ، ولا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ. وتَصَدَّقَ بها في الفُقَراءِ، وفي القُرْبَى، وفي الرِّقاب، وفي سبيلِ الله، وابنِ السَّبيلِ، والضَّيفِ، لا جُناحَ على مَن ولِيَها أنْ يَأْكُلَ منها بالمعروفِ ويُطعِمَ غيرَ مُتَمَوِّل».
صحيح البخاري — باب الشروط في الوقف-كتاب الشروط-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2737 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2737
حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: «ما حَقُّ امرِئٍ مُسلِمٍ له شيءٌ يُوصِي فيه يَبِيتُ ليلتَينِ إلَّا ووَصِيَّتُه مَكْتُوبةٌ عندَه».تابَعَه محمَّدُ بنُ مُسلِمٍ، عن عَمرٍو، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ.
صحيح البخاري — باب الوصايا-كتاب الوصايا-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2738 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2738
حدثنا إبراهيم بن الحارث حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا زهير بن معاوية الجعفيّ حدثنا أبو إسحاق
عن عَمرِو بنِ الحارثِ خَتَنِ رسول الله ﷺ أخي جُوَيرِيَةَ بنتِ الحارثِ، رضي الله عنهما، قال: ما تَرَكَ رسول الله ﷺ عندَ موتِه دِرْهَمًا ولا دِينارًا، ولا عَبدًا ولا أَمةً، ولا شيئًا إلَّا بَغْلتَه البَيضاءَ وسِلاحَه، وأرضًا جَعَلَها صَدَقة.
صحيح البخاري — باب الوصايا-كتاب الوصايا-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2739 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2739
حدثنا خلاّد بن يحيى حدثنا مالك هو ابن مغول حدثنا طلحة بن مصرّف
قال: سألتُ عبدَ الله بنَ أَبي أَوفَى، رضي الله عنهما: هل كانَ النّبيُّ ﷺ أَوصَى؟ فقال: لا. فقلتُ: كيفَ كُتِبَ على النّاس الوَصِيَّةُ، أو أُمِرُوا بالوَصِيَّةِ؟ قال: أَوصَى بكتابِ الله.
صحيح البخاري — باب الوصايا-كتاب الوصايا-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2740 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2740
حدثنا عمرو بن زرارة أخبرنا إسماعيل عن ابن عون عن إبراهيم عن الأسود
قال: ذَكَرُوا عندَ عائشةَ: أنَّ عليًّا، رضي الله عنهما، كانَ وَصِيًّا، فقالت: متى أوصَى إليه وقد كنتُ مُسْنِدَتَه إلى صَدْري - أو قالت: حَجْري - فدَعَا بالطَّسْتِ، فلقدِ انخَنَثَ في حَجْري فما شَعَرْتُ أنَّه قد ماتَ، فمتى أَوصَى إليهِ؟
صحيح البخاري — باب الوصايا-كتاب الوصايا-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2741 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2741
حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهريّ قال:أخبرني سعيد بن المسيّب و أبو سلمة بن عبد الرحمن أنّ أبا هريرة رضي الله عنه
قال: قامَ رسولُ الله ﷺ حينَ أنزَلَ الله عزَّ وجلَّ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: ٢١٤]، قال: «يا مَعشَرَ قريشٍ - أو كَلِمةً نَحْوَها - اشتَرُوا أنفُسَكُم، لا أُغْني عنكم منَ الله شيئًا، يا بني عبدِ مَنافٍ، لا أُغْني عنكم منَ الله شيئًا، يا عبَّاسُ بنَ عبدِ المطَّلِبِ، لا أُغْني عنكَ منَ الله شيئًا، ويا صَفيَّةُ عَمّةَ رسولِ الله، لا أُغْني عنكِ منَ الله شيئًا، ويا فاطمةُ بنتَ محمَّدٍ، سَلِيني ما شِئتِ من مالي، لا أُغْني عنكِ منَ الله شيئًا».تابَعَه أصبَغُ، عن ابنِ وَهْب، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهَاب.
صحيح البخاري — باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب-كتاب الوصايا-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2753 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2753