حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال:أخبرني الزهريّ قال:أخبرني عروة بن الزبير عن المِسْوَر بن مَخْرمة و مروان ملاحظة يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه
قالا: خَرَجَ رسولُ الله ﷺ زَمَنَ الحُدَيبِيةِ حتَّى إذا كانوا ببعضِ الطَّرِيقِ، قال النبيُّ ﷺ: «إنَّ خالدَ بنَ الوليد بالغَمِيمِ في خَيلٍ لقُرَيشٍ طَلِيعةً، فخُذُوا ذاتَ اليمينِ» فوالله ما شَعَرَ بهم خالدٌ، حتَّى إذا هم بقَتَرةِ الجيشِ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لقُرَيشٍ، وسارَ النبيُّ ﷺ، حتَّى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يُهْبَطُ عليهم منها، بَرَكَت به راحلتُه، فقال النّاسُ: حَلْ حَلْ، فألَحَّتْ، فقالوا: خَلَأَتِ القَصْواءُ، فقال النبيُّ ﷺ: «ما خَلَأَتِ القَصْواءُ، وما ذاكَ لها بخُلُقٍ، ولكن حَبَسَها حابسُ الفِيلِ» ثمَّ قال: «والَّذي نفسي بيَدِه! لا يَسْألُونَني خُطّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ الله إلَّا أعطَيتُهم إيّاها» ثمَّ زَجَرَها فوَثَبَت.قال: فعَدَلَ عنهم، حتَّى نزلَ بأقصَى الحُدَيبِيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ يَتَبَرَّضُه النّاسُ تَبرُّضًا، فلم يُلْبِثْهُ النّاسُ حتَّى نَزَحُوه، وشُكِيَ إلى رسولِ الله ﷺ العَطَشُ، فانتَزَعَ سَهْمًا من كِنانَتِه، ثمَّ أمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه، فوالله ما زالَ يَجِيشُ لهم بالرِّيِّ حتَّى صَدَرُوا عنه.فبينَما هم كذلك إذ جاء بُدَيلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزاعيُّ في نَفَرٍ من قومِه من خُزاعةَ، وكانوا عَيْبةَ نُصْحِ رسولِ الله ﷺ من أهلِ تِهامةَ، فقال: إنّي تَرَكْتُ كَعْبَ بنَ لُؤَيٍّ وعامِرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلُوا أعدادَ مِياهِ الحُدَيبِيةِ، ومعهم العُوذُ المَطافيلُ، وهم مُقاتِلُوكَ وصادُّوكَ عن البيتِ، فقال رسولُ الله ﷺ: «إنّا لم نَجِئْ لقتال أحدٍ، ولكنّا جِئْنا مُعتَمِرِينَ، وإنَّ قُرَيشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ وأضَرَّت بهم، فإن شاؤوا مادَدْتُهم مُدّةً، ويُخَلُّوا بيني وبين النّاسِ، فإنْ أظْهَرْ، فإن شاؤوا أن يَدخُلُوا فيما دَخَلَ فيه النّاسُ فعَلُوا، وإلَّا فقد جَمُّوا، وإن هم أبَوْا فوَالَّذي نفسي بيَدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمري هذا حتَّى تَنفَرِدَ سالِفَتي، ولَيُنفِذَنَّ الله أمرَه»فقال بُدَيلٌ: سأُبلِّغُهم ما تقولُ.قال: فانطَلَقَ حتَّى أتى قُرَيشًا، قال: إنّا قد جِئْناكُم من هذا الرجلِ، وسَمِعْناه يقول قولًا، فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكُم فَعَلْنا، فقال سُفَهاؤُهمْ: لا حاجةَ لنا أن تُخبِرَنا عنه بشيءٍ، وقال ذَوُو الرَّأيِ منهم: هاتِ ما سمعتَه يقول، قال: سمعتُه يقول كذا وكذا، فحدَّثهم بما قال النبيُّ ﷺ، فقامَ عُرْوةُ بنُ مسعودٍ فقال: أيْ قومِ، ألَسْتُم بالوالدِ؟ قالوا: بَلَى، قال: أوَلَسْتُ بالوَلَدِ؟ قالوا: بَلَى، قال: فهَل تَتَّهموني؟ قالوا: لا، قال: ألَسْتُم تَعْلَمونَ أنّي استَنْفَرْتُ أهلَ عُكَاظَ، فلمّا بَلَّحُوا عليَّ جِئْتُكم بأهلي ووَلَدي ومَن أطاعَني؟ قالوا: بَلَى، قال: فإنَّ هذا قد عَرَضَ لكم خُطّةَ رُشْدٍ اقبَلُوها، ودَعُوني آتِهِ، قالوا: ائْتِه.فأتاهُ فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ نَحوًا من قولِه لبُديلٍ، فقال عُرْوةُ عندَ ذلك: أيْ محمَّدُ، أرأيتَ إنِ استَأصَلْتَ أمرَ قومِكَ، هل سمعتَ بأحدٍ مِن العربِ اجْتاحَ أهلَه قبلَكَ؟ وإن تَكُنِ الأخرَى، فإنّي والله لا أَرى وُجُوهًا، وإنّي لأرَى أَشْوابًا مِن النّاسِ خَلِيقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ، فقال له أبو بكرٍ: امصَصْ بَظْرَ اللَّاتِ! أنحنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه؟ فقال: مَن ذا؟ قالوا: أبو بكرٍ، قال: أما والَّذي نفسي بيَدِه، لَوْلا يَدٌ كانت لكَ عندي لم أجْزِكَ بها لأجَبتُك.قال: وجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ، فكُلَّما تَكَلَّمَ كَلِمَةً أخَذَ بلِحْيَتِه، والمغيرةُ بنُ شُعْبةَ قائمٌ على رَأسِ النبيِّ ﷺ ومعه السَّيفُ وعليه المِغْفَرُ، فكلَّما أهوَى عُرْوةُ بيَدِه إلى لِحيَةِ النبيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَه بنَعْلِ السَّيفِ، وقال له: أخِّر يَدَكَ عن لِحيَةِ رسولِ الله ﷺ، فرَفَعَ عُرْوةُ رَأسَه فقال: مَن هذا؟ قالوا: المغيرةُ بنُ شُعْبةَ، فقال: أيْ غُدَرُ! ألَسْتُ أسعَى في غَدْرَتِكَ؟ وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهلِيَّةِ فقَتَلهم، وأخَذَ أموالَهم، ثمَّ جاء فأسلَمَ، فقال النبيُّ ﷺ: «أمَّا الإسلامَ فأقبَلُ، وأمَّا المالَ فلَسْتُ منه في شيءٍ».ثمَّ إنَّ عُرْوةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ ﷺ بعَينَيهِ، قال: فوالله ما تَنَخَّمَ رسولُ الله ﷺ نُخامةً إلَّا وقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ منهم، فدَلَكَ بها وَجْهَه وجِلْدَه، وإذا أمَرَهم ابتَدَرُوا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِه، وإذا تكلَّموا خَفَضُوا أصواتَهم عندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا له.فرَجَعَ عُرْوةُ إلى أصحابه، فقال: أيْ قومِ، والله لقد وَفَدْتُ على الملوكِ، ووَفَدْتُ على قَيصَرَ وكِسْرَى والنَّجاشيِّ، والله إن رأيتُ مَلِيكًا قَطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ محمَّدٍ محمَّدًا! والله إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَت في كَفِّ رجلٍ منهم فدَلَكَ بها وَجْهَه وجِلْدَه، وإذا أمَرَهم ابْتَدَرُوا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِه، وإذا تَكَلَّموا خَفَضُوا أصواتَهم عندَه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا له، وإنَّه قد عَرَضَ عليكُم خُطّةَ رُشْدٍ فاقبَلُوها، فقال رجلٌ من بني كِنانةَ: دَعُوني آتِيه، فقالوا: ائْتِه.فلمّا أشْرَفَ على النبيِّ ﷺ وأصحابِه، قال رسولُ الله ﷺ: «هذا فلانٌ، وهو من قومٍ يُعَظِّمونَ البُدْنَ، فابْعَثُوها له» فبُعِثَت له، واستَقْبَلَه النّاسُ يُلَبُّونَ، فلمّا رَأى ذلك قال: سبحانَ الله! ما ينبغي لهؤُلاءِ أن يُصَدُّوا عن البيتِ، فلمّا رَجَعَ إلى أصحابه قال: رأيتُ البُدْنَ قد قُلِّدَت وأُشْعِرَت، فما أرَى أن يُصَدُّوا عن البيتِ، فقامَ رجلٌ منهم يقالُ له: مِكْرَزُ بنُ حَفصٍ، فقال: دَعُوني آتِهِ، فقالوا: ائْتِه. فلمّا أشْرَفَ عليهم قال النبيُّ ﷺ: «هذا مِكْرَزٌ، وهو رجلٌ فاجِرٌ» فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ، فبينَما هو يُكَلِّمُه إذ جاء سُهَيلُ بنُ عَمْرٍو.قال مَعمَرٌ: فأخبرني أيوبُ، عن عِكْرِمةَ: أنَّه لمّا جاء سُهَيلُ بنُ عَمْرٍو قال النبيُّ ﷺ: «لقد سَهُلَ لكم من أمرِكُمْ» قال مَعمَرٌ: قال الزُّهْريُّ في حديثِه: فجاء سُهَيلُ بنُ عَمْرٍو، فقال: هاتِ اكْتُب بينَنا وبينَكُم كتابًا، فدَعا النبيُّ ﷺ الكاتِبَ، فقال النبيُّ ﷺ: «بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ» فقال سُهَيلٌ: أمَّا الرَّحمنُ، فوالله ما أدري ما هي؟ ولكنِ اكتُبْ: باسمِكَ اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبُ، فقال المسلمونَ: والله لا نَكْتُبُها إلَّا بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، فقال النبيُّ ﷺ: «اكْتُبْ: باسمِكَ اللهمَّ»، ثمَّ قال: «هذا ما قاضَى عليه محمَّدٌ رسولُ الله» فقال سُهَيلٌ: والله لو كنَّا نعلمُ أنَّكَ رسولُ الله ما صَدَدْناكَ عن البيتِ، ولا قاتَلْناكَ، ولكنِ اكتُبْ: محمَّدُ بنُ عبدِ الله، فقال النبيُّ ﷺ: «والله إنّي لَرسولُ الله وإن كَذَّبتُموني! اكْتُب: محمَّدُ بنُ عبدِ الله» - قال الزُّهْريُّ: وذلك لقولِه: «لا يَسْألُونَني خُطّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ الله إلا أعطَيتُهم إيّاها» - فقال له النبيُّ ﷺ: «على أن تُخَلُّوا بينَنا وبين البيتِ، فنَطُوفَ به» فقال سُهَيلٌ: والله لا تَتَحدَّثُ العربُ أنّا أُخِذْنا ضُغْطةً، ولكن ذلك مِن العامِ المقْبِلِ، فكَتَبَ، فقال سُهَيلٌ: وعلى أنَّه لا يأتيكَ مِنّا رجلٌ وإن كان على دِينِكَ إلا رَدَدْتَه إلَينا، قال المسلمونَ: سبحانَ الله! كيفَ يُرَدُّ إلى المشرِكِينَ وقد جاء مُسلِمًا؟! فبينَما هم كذلك إذ دَخَلَ أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ في قُيُودِه، وقد خَرَجَ من أسفَلِ مكَّةَ حتَّى رَمَى بنفسِه بين أظْهُرِ المسلمِينَ، فقال سُهَيلٌ: هذا يا محمَّدُ أوَّلُ مَنْ أُقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ، فقال النبيُّ ﷺ: «إنّا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ» قال: فوالله إذًا لم أُصالِحْكَ على شيءٍ أبدًا! قال النبيُّ ﷺ: «فأَجِزْهُ لي» قال: ما أنا بمُجِيزِه لكَ، قال: «بَلَى فافعَلْ» قال: ما أنا بفاعلٍ، قال مِكْرَزٌ: بَل قد أجَزْناه لكَ، قال أبو جَنْدَلٍ: أي مَعْشَرَ المسلمِينَ، أُرَدُّ إلى المشرِكِينَ وقد جِئْتُ مُسلِمًا؟ ألا تَرَوْنَ ما قد لَقِيتُ؟ وكان قد عُذِّبَ عَذابًا شديدًا في الله.قال: فقال عمرُ بنُ الخطَّاب: فأتيتُ نبيَّ الله ﷺ، فقلتُ: ألَسْتَ نبيَّ الله حقًّا؟ قال: «بَلَى»، قلتُ: ألَسْنا على الحقِّ وعَدُوُّنا على الباطلِ؟ قال: «بَلَى» قلتُ: فلِمَ نُعْطي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا إذًا؟ قال: «إنّي رسولُ الله، ولستُ أعصِيهِ، وهو ناصِرِي» قلتُ: أوَليسَ كنتَ تُحَدِّثُنا أنّا سَنأتي البيتَ فنَطُوفُ به؟ قال: «بَلَى، فأخبَرْتُكَ أنّا نأتيه العامَ؟» قال: قلتُ: لا، قال: «فإنَّكَ آتِيه ومُطَّوِّفٌ به» قال: فأتيتُ أبا بكرٍ، فقلتُ: يا أبا بكرٍ، أليسَ هذا نبيَّ الله حقًّا؟ قال: بَلَى، قلتُ: أَلَسْنا على الحقِّ وعَدُوُّنا على الباطلِ؟ قال: بَلَى، قلتُ: فلِمَ نُعْطي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا إذًا؟ قال: أيُّها الرجلُ! إنَّه لَرسولُ الله ﷺ، وليسَ يَعْصي رَبَّه، وهو ناصِرُه، فاستَمْسِك بغَرْزِه، فوالله إنَّه على الحقِّ، قلتُ: أليسَ كان يُحدِّثُنا أنّا سَنأتي البيتَ ونَطُوفُ به؟ قال: بَلَى، أفَأخبَركَ أنَّكَ تأْتيهِ العامَ؟ قلتُ: لا، قال: فإنَّكَ آتِيهِ ومُطَّوِّفٌ به، قال الزُّهْريُّ: قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلك أعمالًا.قال: فلمّا فرَغَ من قَضِيَّةِ الكتاب، قال رسولُ الله ﷺ لأصحابه: «قُومُوا فانحَرُوا ثمَّ احلِقُوا» قال: فوالله ما قامَ منهم رجلٌ حتَّى قال ذلك ثلاثَ مَرّاتٍ، فلمّا لم يَقُمْ منهم أحدٌ دَخَلَ على أُمِّ سَلَمةَ، فذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن النّاسِ، فقالت أُمُّ سَلَمةَ: يا نبيَّ الله، أتُحِبُّ ذلك؟ اخرُج، ثمَّ لا تُكَلِّم أحدًا منهم كلمةً حتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حالِقَكَ فيَحلِقَكَ، فخَرَجَ فلم يُكَلِّم أحدًا منهم، حتَّى فعَلَ ذلك، نَحَرَ بُدْنَه ودَعا حالِقَه فحَلَقَه، فلمّا رَأوْا ذلك قامُوا فنَحَرُوا، وجَعَلَ بعضُهم يَحلِقُ بعضًا، حتَّى كادَ بعضُهم يَقْتُلُ بعضًا غَمًّا.ثمَّ جاءه نِسْوةٌ مُؤْمِناتٌ، فأنزلَ الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: ١٠]، فطَلَّقَ عمرُ يومَئذٍ امرأتينِ كانَتا له في الشِّرْكِ، فتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، والأخرَى صَفْوانُ بنُ أُميَّةَ.ثمَّ رَجَعَ النبيُّ ﷺ إلى المدينةِ، فجاءه أبو بَصِيرٍ رجلٌ من قُرَيشٍ وهو مُسلِمٌ، فأرسَلُوا في طَلَبِه رَجلَينِ، فقالوا: العَهْدَ الَّذي جَعَلْتَ لَنا؟ فدَفَعَه إلى الرَّجلَينِ، فخَرَجا به حتَّى بَلَغا ذا الحُلَيفةِ فنزلُوا يأكُلُونَ من تَمْرٍ لهم، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرَّجلَينِ: والله إنّي لأرَى سَيفَكَ هذا يا فلانُ جيِّدًا، فاستَلَّه الآخَرُ، فقال: أجَل، والله إنَّه لَجيِّدٌ! لقد جَرَّبتُ به، ثمَّ جَرَّبْتُ به، ثمَّ جَرَّبتُ، فقال أبو بَصِيرٍ: أرِني أنْظُرْ إليه، فأَمكَنَه منه، فضَرَبَه حتَّى بَرَدَ، وفَرَّ الآخَرُ حتَّى أتى المدينةَ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو، فقال رسولُ الله ﷺ حينَ رآه: «لقد رَأى هذا ذُعْرًا»، فلمّا انتَهَى إلى النبيِّ ﷺ قال: قُتِلَ والله صاحبي، وإنّي لَمَقْتُولٌ، فجاء أبو بَصِيرٍ فقال: يا نبيَّ الله، قد والله أوْفَى الله ذِمَّتَكَ، قد رَدَدْتَني إليهم، ثمَّ أنْجاني الله منهم، قال النبيُّ ﷺ: «ويلُ أُمِّه مِسْعَرَ حَرْبٍ، لو كان له أحدٌ»، فلمّا سمعَ ذلك عَرَفَ أنَّه سَيردُّه إليهم، فخَرَجَ حتَّى أتى سِيفَ البَحْرِ.قال: ويَنفَلِتُ منهم أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيلٍ فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ، فجَعَلَ لا يَخرُجُ من قُرَيشٍ رجلٌ قد أسلَمَ إلا لَحِقَ بأبي بَصِيرٍ، حتَّى اجْتَمَعَت منهم عِصابةٌ، فوالله ما يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَت لقُرَيشٍ إلى الشَّامِ إلا اعتَرَضُوا لها فقَتَلُوهم وأخَذُوا أموالَهم، فأرسَلَت قُرَيشٌ إلى النبيِّ ﷺ تُناشدُه اللهَ والرَّحِمَ لمَّا أرسَلَ، فمَن أتاه فهو آمِنٌ، فأرسَلَ النبيُّ ﷺ إليهم، فأنزلَ الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} حتَّى بَلَغَ: {الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 24-٢٦] وكانت حَمِيَّتُهم أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نبيُّ الله، ولم يُقِرُّوا ببِسْمِ الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، وحالُوا بينهم وبين البيتِ.قال أبو عبد الله: {مَعَرَّةٌ} العَرُّ: الجَرَبُ، {تَزَيَّلُوا}: انمازُوا. وحَمَيتُ القومَ: مَنَعْتُهم، حِمايةً، وأَحمَيتُ الحِمَى: جَعلتُه حِمًى لا يُدخَل. وأَحميتُ الرَّجلَ: إذا أَعضبتُه إحماءً.
صحيح البخاري — باب الشروط في الجهاد والمصالحة-كتاب الشروط-صحيح البخاري — رقم الحديث: 2731 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 2731
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا يحيى بن آدم حدثنا يزيد بن عبد العزيز عن أبيه حدثنا حبيب بن أبي ثابت قال:حدثني أبو وائل
قال: كنَّا بصِفِّينَ، فقامَ سَهْلُ بنُ حُنَيفٍ فقال: أيُّها النّاسُ اتَّهمُوا أنفُسَكُم، فإنّا كنَّا مع رسولِ الله ﷺ يومَ الحُدَيبِيَةِ ولو نَرَى قِتالًا لَقاتَلْنا، فجاءَ عمرُ بنُ الخطَّاب فقال: يا رسولَ الله، ألَسْنا على الحقِّ وهم على الباطلِ؟ فقال: «بَلَى» فقال: أليس قَتْلانا في الجنَّة وقَتْلاهم في النّار؟ قال: «بَلَى» قال: فعلى ما نُعْطي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا؟! أنَرْجِعُ ولَمَّا يَحْكُمِ الله بينَنا وبينَهم؟! فقال: «ابنَ الخطَّاب، إنّي رسولُ الله، ولن يُضيِّعَني اللهُ أبدًا». فانطَلَقَ عمرُ إلى أبي بكرٍ، فقال له مِثلَ ما قال للنبيِّ ﷺ، فقال: إنَّه رسولُ الله، ولن يُضيِّعَه اللهُ أبدًا. فنَزَلَتْ سُورةُ الفَتْحِ، فقرأها رسولُ الله ﷺ على عمرَ إلى آخرِها. فقال عمرُ: يا رسولَ الله، أوَفَتْحٌ هو؟ قال: «نَعَم».
صحيح البخاري — باب-كتاب الجزية-صحيح البخاري — رقم الحديث: 3182 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 3182
حدثنا عليّ بن عبد الله حدثنا سفيان قال: قال عمرو سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«مَن لكَعْبِ بنِ الأشرَفِ؟ فإنَّه قد آذَى الله ورسولَه» فقامَ محمَّدُ بنُ مَسْلَمةَ، فقال: يا رسولَ الله، أتُحِبُّ أنْ أقتُلَه؟ قال: «نَعَم» قال: فأْذَن لي أنْ أقولَ شيئًا، قال: «قُلْ».فأتاه محمَّدُ بنُ مَسْلَمةَ، فقال: إنَّ هذا الرَّجلَ قد سألَنا صَدَقةً، وإنَّه قد عنَّانا، وإنّي قد أتيتُكَ أستَسْلِفُكَ. قال: وأيضًا، والله لَتَمَلُّنَّه، قال: إنّا قَدِ اتَّبَعْناه، فلا نُحِبُّ أنْ نَدَعَه حتَّى نَنظُرَ إلى أيِّ شيءٍ يَصِيرُ شأنُه، وقد أرَدْنا أنْ تُسْلِفَنا وَسْقًا أو وَسْقَينِ - وحدَّثنا عَمرٌو غيرَ مَرّةٍ، فلم يَذكُر: وَسْقًا أو وَسْقَينِ، أو: فقلتُ له: فيه وَسْقًا أو وَسْقَينِ؟ فقال: أُرَى فيه وَسْقًا أو وَسْقَينِ - فقال: نعم، ارهَنوني، قالوا: أيَّ شيءٍ تُرِيدُ؟ قال: ارهَنوني نِساءَكُم، قالوا: كيفَ نَرْهَنُكَ نِساءَنا، وأنتَ أجْمَلُ العربِ؟! قال: فارهَنوني أبناءَكُم، قالوا: كيفَ نَرْهَنُكَ أبناءَنا، فيُسَبُّ أحدُهم فيُقالُ: رُهِنَ بوَسْقٍ أو وَسْقَينِ؟ هذا عارٌ علينا، ولكنّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمةَ. قال سفيانُ: يعني السِّلاحَ.فواعَدَه أنْ يأتيَه، فجاءَه ليلًا ومَعَه أبو نائلةَ، وهو أخو كَعْبٍ منَ الرَّضاعةِ، فدَعَاهم إلى الحِصْنِ، فنَزَلَ إليهم، فقالت له امرأتُه: أينَ تَخرُجُ هذه السّاعةَ؟ فقال: إنَّما هو محمَّدُ بنُ مَسْلَمةَ، وأخي أبو نائلةَ، وقال غيرُ عَمرٍو: قالت: أسمَعُ صوتًا كأنَّه يَقطُرُ منه الدَّمُ. قال: إنَّما هو أخي محمَّدُ بنُ مَسْلَمةَ ورَضِيعي أبو نائلةَ، إنَّ الكريمَ لو دُعِيَ إلى طَعْنةٍ بلَيلٍ لأجابَ. قال: ويُدخِلُ محمَّدُ بنُ مَسْلَمةَ معه رجلَينِ - قيلَ لِسفيانَ: سَمّاهم عَمرٌو؟ قال: سَمَّى بعضَهُم، قال عَمرٌو: جاءَ معه برجلَينِ، وقال غيرُ عَمرٍو: أبو عَبْسِ ابنُ جَبْر، والحارثُ بنُ أوسٍ، وعبَّادُ بنُ بِشْر - قال عَمرٌو: جاءَ معه برجلَينِ، فقال: إذا ما جاءَ، فإنّي قائلٌ بشَعَرِه فأشَمُّه، فإذا رأيتُموني استَمْكَنتُ من رأسِه، فدُونَكم فاضْرِبُوه، وقال مَرّةً: ثمَّ أُشِمُّكُم.فنَزَلَ إليهم مُتَوَشِّحًا وهو يَنفَحُ منه رِيحُ الطِّيبِ، فقال: ما رأيتُ كاليومِ رِيحًا، أي: أطيَبَ. وقال غيرُ عَمرٍو: قال: عندي أعطَرُ نِساءِ العربِ، وأكمَلُ العربِ. قال عَمرٌو: فقال: أتَأْذَنُ لي أنْ أشُمَّ رأسَكَ؟ قال: نعم، فشَمَّه ثمَّ أشَمَّ أصحابَه، ثمَّ قال: أتَأْذَنُ لي؟ قال: نعم، فلمّا استَمْكَنَ منه، قال: دونَكم. فقَتَلُوه، ثمَّ أتَوُا النبيَّ ﷺ، فأخبَرُوه.
صحيح البخاري — باب قتل كعب بن الأشرف-كتاب المغازي-صحيح البخاري — رقم الحديث: 4037 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 4037
حدثنا يوسف بن موسى أخبرنا أبو أسامة عن أسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن جَرير قال:قال لي رسول الله،صلى الله عليه وسلم
«ألا تُرِيحُني من ذي الخَلَصةِ؟» فقلتُ: بَلَى، فانطَلَقْتُ في خمسينَ ومِئةِ فارسٍ من أحمَسَ، وكانوا أصحابَ خيلٍ، وكنتُ لا أثْبُتُ على الخيلِ، فذَكَرْتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ، فضَرَبَ يدَه على صَدْري، حتَّى رأيتُ أثرَ يدِه في صَدْري، وقال: «اللهمَّ ثَبِّتْه، واجْعَلْه هادِيًا مَهْدِيًّا» قال: فما وَقَعْتُ عن فرَسٍ بَعْدُ، قال: وكانَ ذُو الخَلَصةِ بيتًا باليَمَنِ لخَثعَمَ وبَجِيلةَ فيه نُصُبٌ تُعبَدُ، يُقالُ له: الكَعْبةُ، قال: فأتاها فحَرَّقَها بالنّار وكَسَرَها.قال: ولمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ اليَمَنَ كانَ بها رجلٌ يَستَقْسِمُ بالأزْلامِ، فقِيلَ له: إنَّ رسولَ رسولِ الله ﷺ هاهُنا، فإنْ قَدَرَ عليكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ، قال: فبينَما هو يَضرِبُ بها إذْ وقَفَ عليه جَرِيرٌ، فقال: لَتَكْسِرَنَّها، ولَتَشْهَدَنَّ أنْ لا إلهَ إلا الله، أو لأضرِبَنَّ عُنُقَكَ، قال: فكَسَرَها وشَهِدَ. ثمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رجلًا من أحمَسَ يُكْنَى أبا أَرْطاةَ إلى النبيِّ ﷺ يُبشِّرُه بذلكَ، فلمّا أتَى النبيَّ ﷺ قال: يا رسولَ الله، والَّذي بَعَثَكَ بالحقِّ، ما جئتُ حتَّى تَرَكْتُها كأنَّها جملٌ أجْرَبُ، قال: فبَرَّك النبيُّ ﷺ على خيلِ أحمَسَ ورِجالها خمسَ مَرّات.
صحيح البخاري — باب غزوة ذي الخَلَصة-كتاب المغازي-صحيح البخاري — رقم الحديث: 4357 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 4357
حدثنا عفّان حدثنا حمّاد حدثنا عطاء بن السائب عن الشعبيّ عن ابن مسعود
أنَّ النِّساءَ كُنَّ يومَ أُحدٍ خلْفَ المُسلِمين، يُجْهِزْنَ على جَرحَى المُشركين، فلو حلَفتُ يومئذٍ رَجَوتُ أن أبَرَّ: إنّه ليس أَحدٌ منّا يُريدُ الدُّنيا، حتى أَنزلَ اللهُ عزَّ وجلَ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: 152]، فلمَّا خالفَ أَصحابُ النّبيِّ ﷺ، وعَصَوا ما أُمِروا به، أُفرِدَ رَسولُ الله ﷺ في تِسعةٍ: سَبعةٍ من الأنصار، ورَجُلَينِ من قُريش، وهو عاشِرُهم، فلمّا رَهِقُوه، قال: «رَحِمَ اللهُ رَجلًا ردَّهم عنّا»، قال: فقام رجلٌ من الأنصارِ فقاتَلَ ساعةً حتى قُتِل، فلمّا رَهِقُوه أَيضًا، قال: «يَرحمُ اللهُ رجلًا ردَّهم عنّا»، فلم يَزَلْ يقولُ ذا، حتى قُتِل السَّبعة، فقالَ النّبيُّ ﷺ لصاحبَيه: «ما أَنصَفْنا أَصحابَنا»، فجاء أَبو سُفيانَ فقال: اعْلُ هُبَل، فقالَ رسولُ الله ﷺ: «قولوا: اللهُ أَعلى وأَجَلّ»، فقالوا: اللهُ أَعلى وأَجَلّ، فقالَ أبو سُفيان: لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم، فقالَ رسولُ الله ﷺ: «قولوا: اللهُ مَولانا، والكافِرونَ لا مَولى لهم»، ثم قال أبو سُفيان: يومٌ بيومِ بَدْر، يومٌ لنا ويومٌ علينا، ويومٌ نُساءُ ويومٌ نُسَرُّ، حَنظلةُ بحَنظلَة، وفُلانٌ بفُلان، وفُلانٌ بفُلان، فقالَ رسولُ الله ﷺ: «لا سَواء، أمّا قَتلانا فأَحياءٌ يٌرزَقون، وقَتلاكُم في النّار يُعذَّبون». قال أبو سُفيان: قد كانت في القَوم مُثْلَة، وإن كانت لَعَنْ غيرِ مَلأٍ منّا، ما أَمرتُ ولا نَهيتُ، ولا أَحببتُ ولا كَرِهتُ، ولا ساءَني ولا سَرَّني، قال: فنَظرُوا فإذا حمزةُ قد بُقِرَ بطنُه، وأَخذتْ هِندُ كَبِدَه فلاكَتْها، فلم تَستطِع أن تأكُلها، فقالَ رسولُ الله ﷺ: «أأكلَتْ منه شَيئًا؟» قالوا: لا. قال: «ما كان اللهُ لِيُدخِلَ شَيئًا مِن حمزةَ النّار»، فوَضَعَ رَسولُ الله ﷺ حمزةَ، فصلَّى عليه، وجيء برَجُلٍ من الأنصار، فوُضِعَ إلى جَنبِه، فصلَّى عليه، فرُفِع الأنصاريُّ وتُرِكَ حمزةُ، ثم جِيء بآخَرَ فوَضَعَه إلى جَنبِ حمزةَ فصلَّى عليه، ثم رُفِعَ وتُرِكَ حمزةُ، حتى صلَّى عليه يومَئذٍ سَبعينَ صلاة.
مسند أحمد — رقم الحديث: 4414 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 4414 — ج: 1 — ص: 463
حدثنا يعقوب قال:ثنا أبي عن ابن إسحاق قال:فحدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين ملاحظة أخو بني سلمة أنّ أخاه عبيد الله بن كعب ملاحظة وكان من أعلم الأنصار حدثه أن أباه كعب بن مالك ملاحظة وكان كعب ممّن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم،بها
قال: خَرَجْنا في حُجَّاج قومِنا من المشركين، وقد صلَّينا وفقِهنا، ومعنا البراءُ بن مَعْرور كبيرُنا وسيِّدُنا، فلمَّا توجَّهنا لسفرِنا، وخَرَجنا من المدينة، قال البراءُ لنا: يا هؤلاء إنّي قد رأيتُ والله رأيًا، وإنِّي والله ما أدري تُوافِقوني عليه أم لا؟ قال: قلنا له: وما ذاك؟ قال: قد رأيتُ أن لا أَدَعَ هذه البَنِيَّة مِنِّي بظَهْرٍ - يعني الكعبة - وأن أصلّي إليها، قال: فقلنا: والله ما بَلَغَنا أنَّ نبيَّنا يُصلِّي إلَّا إلى الشام، وما نُريد أن نُخالِفه، فقال: إنّي أصلّي إليها، قال: فقلنا له: لكنّا لا نفعلُ، فكنّا إذا حَضَرَت الصلاةُ صَلَّينا إلى الشام، وصلَّى إلى الكعبة، حتَّى قَدِمنا مكَّة، قال أخي: وقد كنّا عِبنا عليه ما صَنَعَ، وأبى إلَّا الإقامةَ عليه، فلمّا قَدِمنا مكَّة قال: يا ابنَ أَخِي، انطلِق إلى رسول الله ﷺ، فاسْأله عمّا صنعتُ في سَفَري هذا، فإنّه - والله - قد وقع في نَفسِي منه شيءٌ، لِما رأيتُ من خلافكم إيايَ فيه. قال: فخرجنا نسألُ عن رسول الله ﷺ وكنَّا لا نعرفُه، لم نَرَه قَبلَ ذلك، فَلَقِيَنا رجُلٌ من أهلِ مكَّة، فسألناه عن رسولِ الله ﷺ، فقال: هل تعرفانِه؟ قال: قلنا: لا، قال: فهل تعرفان العباسَ بن عبد المطلب، عمَّه؟ قلنا: نعم، قال: وكنَّا نعرفُ العبَّاسَ، كان لا يزال يَقدَمُ علينا تاجرًا، قال: فإذا دخلتُما المسجدَ فهو الرجُلُ الجالسُ مع العبَّاسِ، قال: فدخلنا المسجدَ فإذا العباسُ جالسٌ ورسولُ الله ﷺ معه جالس، فسلَّمنا ثم جَلَسنا إليه، فقال رسولُ الله ﷺ للعبَّاس: «هل تعرفُ هذين الرجُلين، يا أبا الفَضْل؟» قال: نعم، هذا البراءُ بن مَعْرور سيِّدُ قومِه، وهذا كَعبُ بن مالك، قال: فوالله ما أَنسى قول رسول الله ﷺ: «الشَّاعر؟» قال: نعم، قال: فقال البراءُ بن مَعْرُور: يا نبيَّ الله، إني خرجتُ في سَفَري هذا، وهدَاني الله للإسلام، فرأيتُ أن لا أَجعلَ هذه البَنِيَّة مِنِّي بظَهْرٍ فصلَّيتُ إليها، وقد خالفَني أصحابي في ذلك، حتَّى وقعَ في نفسي من ذلك شيءٌ، فماذا ترى يا رسولَ الله؟ قال: «لقد كنتَ على قِبلةٍ لو صَبَرتَ عليها»، قال: فرجع البراءُ إلى قِبلةِ رسولِ الله ﷺ، فصلَّى معنا إلى الشام، قال: وأَهلُه يزعُمُون أنّه صلَّى إلى الكعبةِ، حتَّى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلمُ به منهم. قال: وخرجنا إلى الحجِّ فواعَدَنا رسولُ الله ﷺ العَقَبَةَ من أَوسَطِ أيامِ التَّشريق، فلمَّا فرَغنا من الحجِّ، وكانت اللّيلةُ التي وَعَدَنا رسولُ الله ﷺ ومعنا عبدُ الله بنُ عَمرو بن حَرَام أبو جابر سيِّدٌ من سادتنا، وكنَّا نكتُمُ مَن مَعَنا مِن قومِنا من المشركين أمْرَنا، فكلَّمناه، وقلنا له: يا أبا جابر، إنَّك سَيِّد من سادتنا، وشريفٌ مِن أَشرافنا، وإنَّا نرغَب بك عمَّا أَنت فيه أن تكون حطبًا للنَّار غدًا، ثم دعوتُه إلى الإسلام، وأخبرتُه بميعادِ رسولِ الله ﷺ، فأَسلَمَ وشهدَ معنا العقبةَ، وكان نقيبًا، قال: فنمنا تلك الليلةَ مع قومِنا في رحالِنا، حتَّى إذا مضى ثُلُثُ اللَّيل، خرَجْنا من رحالِنا لميعادِ رسول الله ﷺ نتسلَّل مستَخْفِين تَسَلُّلَ القَطَا، حتَّى اجتمعنا في الشِّعب عند العقبةِ، ونحن سبعون رجُلًا ومَعَنا امرأتان مِن نسائِهم، نُسَيبةُ بنتُ كعب أمُّ عُمارة، إحدى نساء بني مازن بن النَّجَّار، وأسماء بنت عَمرو بن عديِّ بن ثابت، إحدى نساء بني سَلِمة، وهي أمُّ مَنِيع. قال: فاجتمعنا بالشعب ننتظرُ رسولَ الله ﷺ حتَّى جاءَنا ومعه يومئذٍ عمُّه العباسُ بنُ عبد المطلب، وهو يومئذٍ على دينِ قومِه، إلَّا أنّه أحبَّ أن يحضر أمرَ ابن أخيه، ويتوثَّق له، فلمّا جلسنا كان العباسُ بنُ عبد المطلب أولَ متكلّم، فقال: يا معشرَ الخَزْرَج - قال: وكانت العربُ ممّا يُسَمُّون هذا الحيَّ من الأنصارِ الخزرج أوسَها وخَزْرَجَها - إنّ محمدًا منَّا حيثُ قد علِمتُم، وقد منَعْناه من قومِنا ممَّن هو على مثلِ رأيِنا فيه، وهو في عزٍّ من قومه ومَنَعَةٍ في بلدِه، قال: فقلنا: قد سمِعْنا ما قلتَ، فتكلّمْ يا رسولَ الله، فخذ لنَفسِك ولربِّك ما أَحبَبتَ، قال: فتكلَّم رسولُ الله ﷺ، فتلا ودَعا اللهَ عزَّ وجلَّ، ورغَّب في الإسلام، قال: «أُبايعُكُم على أن تَمنَعوني ممَّا تَمنعُون منه نساءَكم وأبناءَكم» قال: فأخذ البراءُ بنُ مَعرورٍ بيده، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحقِّ، لَنمنعنَّك ممَّا نمنعُ منه أُزُرَنا، فبايِعْنا يا رسولَ الله ﷺ، فنحن أهلُ الحروب وأهلُ الحَلْقةِ، ورثناها كابِرًا عن كابِر. قال: فاعترض القولَ - والبراءُ يكلِّم رسولَ الله ﷺ - أبو الهَيثَم بنُ التَّيِّهان، حليفُ بني عبد الأشهل، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ بينَنا وبين الرجال حِبالًا، وإنَّا قاطِعوها - يعني العهود - فهل عسَيتَ إنْ نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرَكَ الله أن تَرجعَ إلى قَومِك وتدَعَنا، قال: فتبسَّم رسولُ الله ﷺ، ثم قال: «بل الدَّمُ الدمُ، والهَدْمُ الهَدْمُ، أنا منكم وأَنتم مِنِّي، أُحارب مَن حاربتم، وأُسالِم مَن سالمتُم» وقد قال رسولُ الله ﷺ: «أَخرِجوا إليَّ منكم اثني عشر نَقيبًا، يكونونَ على قومِهم» فأَخْرَجوا منهم اثنَي عشر نقيبًا، منهم تسعةٌ مِن الخَزْرَج وثلاثةٌ من الأوس. وأما معبدُ بن كعب، فحدَّثني في حديثِه عن أخيه، عن أبيه كعبِ بن مالك، قال: كان أولَ مَن ضَرَب على يدِ رسولِ الله ﷺ البراءُ بن مَعْرُور، ثم تتابع القوم، فلمّا بايعنا رسولَ الله ﷺ، صرَخَ الشّيطانُ مِن رأسِ العَقَبةِ بأَبعدِ صوتٍ سمعتُه قطّ، يا أهلَ الجَبَاجِب – والجباجبُ: المنازل - هل لكم في مُذَمَّم والصُّباةُ معه قد أَجمعوا على حَربِكم - قال عليٌّ، يعني ابنَ إسحاق: ما يقول عدوُّ الله: محمَّد - فقال رسولُ الله ﷺ: «هذا أَزَبُّ العَقَبةِ، هذا ابن أَزْيَبَ، اسمَع أيْ عدوَّ الله، أمَا والله لأفرَغَنَّ لك» ثمَّ قال رسولُ الله ﷺ: «ارفَعوا إلى رِحالِكُم» قال: فقال له العباسُ بن عُبادَة بن نَضْلة: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ لئن شئتَ لنَمِيلَنَّ على أهلِ مِنى غَدًا بأَسيافِنا، قال: فقال رسولُ الله ﷺ: «لم أُومَر بذلك». قال: فرجعنا فَنِمْنا حتَّى أَصبحنا، فلمّا أصبحنا غَدَتْ علينا جِلَّةُ قُريش، حتَّى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشرَ الخَزْرَج، إنّه قد بلغنا أنّكم قد جئتُم إلى صاحبنا هذا، تستخرجُونه من بين أظهُرنا، وتُبَايِعُونه على حربِنا! واللهِ إنّه ما من العرب أحدٌ أبغضَ إلينا أن تَنْشَبَ الحربُ بينَنا وبينَه منكم. قال: فانبعث مَن هنالك مِن مشركي قَومِنا يَحلِفُون لهم بالله ما كانَ مِن هذا شيءٌ، وما عَلِمناه. وقد صَدَقوا، لم يَعلَموا ما كان منّا، قال: فبعضُنا ينظُرُ إلى بعض. قال: وقام القومُ وفيهم الحارثُ بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، وعليه نعلان جديدان، قال: فقلتُ كلمةً كأني أُريدُ أن أَشْرَكَ القومَ بها فيما قالوا: ما تستطيعُ يا أبا جابر، وأنت سيّدٌ من سادَتِنا أَن تتَّخذ نعلين مثل نَعْلَي هذا الفتى من قريش؟ فسمِعَها الحارثُ فخلعهما، ثمَّ رمى بهما إليَّ، فقال: والله لتنتعلَنَّهما، قال: يقول أبو جابر: أحْفَظْتَ – والله - الفتى فارْدُدْ عليه نَعلَيه، قال: فقلت: والله لا أردُّهما، فألٌ - والله - صالح، والله لئن صَدَق الفأل لأَسلُبَنَّه. فهذا حديث كعب بن مالك من العقبة وما حضر منها.
مسند أحمد — رقم الحديث: 15798 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 15798 — ج: 3 — ص: 460