أنَّ عمرَ بنَ الخطّاب قال: لا تَبيعُوا الذَّهبَ بالذَّهب إلّا مِثلًا بمِثل، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعض، ولا تَبيعُوا الوَرِقَ بالوَرِق إلّا مِثلًا بمِثل، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعض، ولا تَبيعُوا الوَرِقَ بالذَّهب أَحدُهما غائبٌ والآخَرُ ناجِز، وإن استَنظَركَ إلى أن يَلِجَ بيتَه فلا تُنظِرْه، إنِّي أَخافُ عليكُم الرَّمَاء. والرَّمَاءُ: هو الرِّبا.
موطأ مالك — رقم الحديث: 1849 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 1298 — ج: 2 — ص: 160
وحدثني عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب
يقول: قَطعُ الذَّهب والوَرِقِ من الفسادِ في الأرض.1854- قال مالك: ولا بأسَ أن يَشتري الرَّجلُ الذَّهبَ بالفضَّة، والفِضَّةَ بالذَّهب، جُزافًا، إذا كان تِبْرًا أو حُلِيًّا قد صِيغَ، فأمَّا الدّراهمُ المَعدُودة والدَّنانيرُ المَعدُودة، فلا ينبغي لأحدٍ أن يشتري شيئًا من ذلك جُزافًا حتى يَعلَمَ ويَعُدَّ، فإن اشتُري ذلك جُزافًا فإنّما يُرادُ به الغَررُ حين يُترَكُ عدُّه ويُشتَرى جُزافًا، وليس هذا من بُيوعِ المُسلِمين، فأمّا ما كان يُوزَنُ مِن التِّبرِ والحُلِيِّ فلا بأسَ أن يُباعَ ذلك جُزافًا، وإنّما ابتِياع ذلك جُزافًا كهَيئةِ الحِنطةِ والتَّمرِ ونحوِهما من الأَطعمةِ التي تُباعُ جُزافًا، ومِثلُها يكُال، فليس بابتِياعِ ذلك جُزافًا بأسٌ.1855- قال مالك: مَن اشترى مُصحفًا أو سَيفًا أو خاتمًا، وفي شيءٍ مِن ذلك ذهبٌ أو فضّةٌ بدنانيرَ أو دراهم، فإنَّ ما اشتُري مِن ذلك وفيه الذَّهبُ بدَنانير، فإنّه يُنظَرُ إلى قيمتِه، فإن كانت قيمةُ ذلك الثُّلُثين، وقيمةُ ما فيه مِن الذَّهب الثُّلثَ، فذلك جائزٌ لا بأسَ به، إذا كان ذلك يدًا بيَد، ولا يكونُ فيه تأخير، وما اشتُري من ذلك بالوَرِقِ ممّا فيه الوَرِق، نُظر إلى قيمتِه، فإن كان قيمةُ ذلك الثُّلُثين، وقيمةُ ما فيه من الوَرِق الثُّلثَ، فذلك جائزٌ لا بأسَ به، إذا كان ذلك يدًا بيَد، ولم يزل ذلكَ مِن أَمر النّاسِ عندَنا.
موطأ مالك — رقم الحديث: 1853 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 1302 — ج: 2 — ص: 161
حدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري
أنّه التَمَسَ صَرْفًا بمِئةِ دِينار، قال: فدَعاني طَلحةُ بنُ عُبيدِ الله، فتَراوَضْنا، حتى اصطَرَفَ منِّي، وأَخذَ الذَّهبَ يُقلِّبُها في يدِه، ثم قال: حتى يأتِيَني خازِني مِن الغَابة، وعمرُ بنُ الخَطّاب يَسمَع، فقال عمرُ: واللهِ لا تُفارِقُه حتى تأخذَ مِنه، ثم قال: قالَ رسولُ الله ﷺ: «الذَّهبُ بالوَرِق رِبًا، إلّا هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ رِبًا، إلّا هاءَ وهاءَ، والتَّمرُ بالتَّمرِ رِبًا، إلّا هاءَ وهاءَ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ رِبًا، إلّا هاءَ وهاءَ».1857- قال مالك: إذا اصطَرَفَ الرَّجلُ دَراهمَ بدِينار، ثم وَجدَ فيها دِرهمًا زائفًا، فأَرادَ ردَّه، انتقَضَ صرفُ ذلك الدِّينار، ورَدَّ إليه وَرِقَه، وأَخذ إليه دِينارَه، وتفسيرُ ما كُرِه من ذلك: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «الذَّهبُ بالوَرِق رِبًا، إلّا هاءَ وهاءَ»، وقال عمر بنُ الخطاب: وإن استَنظَرَكَ إلى أن يَلِجَ بيتَه فلا تُنظِرْه، فهو إذا رَدَّ عليه دِرهمًا من صرفٍ بعد أن يُفارِقَه كان بمَنزلةِ الدَّين، أو الشَّيءِ المُستأخَر، فلذلك كُرِه ذلك، وانتَقَضَ الصَّرفُ، وإنّما أَرادَ عمرُ بنُ الخَطاب أن لا يُباعَ الذَّهبُ والوَرِقُ والطَّعامُ كلُّه عاجلًا بآجِل، فإنّه لا يَنبغِي أَن يكونَ في شيءٍ من ذلك تأخيرٌ ولا نَظِرَة، وإن كانَ مِن صِنفٍ واحدٍ أَو مُختلِفَةً أَصنافُه.
موطأ مالك — رقم الحديث: 1856 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 1303 — ج: 2 — ص: 162
أنّه رأى سعيدَ بنَ المُسيّب يُراطلُ الذَّهبَ بالذَّهب، فيُفرِغُ ذَهبَه في كفَّةِ المِيزان، ويُفرِغُ صاحبُه الذي يُراطِلُه ذَهبَه في كفَّةِ الميزانِ الأُخرى، فإذا اعتَدلَ لسانُ المِيزان أَخذَ وأَعطى.1859- قال مالك: الأَمرُ عندَنا في بيعِ الذَّهبِ بالذَّهب، أو الوَرِقِ بالوَرِق مُراطلةً، أنّه لا بأسَ بذلك؛ أَن يأخذَ أَحدَ عشَرَ دينارًا بعشَرةِ دنانيرَ يدًا بيَد، إذا كان وزنُ الذَّهبَين سواءً عينًا بعَينٍ وإن تفاضَلَ العددُ، والدَّراهمُ أَيضًا في ذلك بمَنزلةِ الدَّنانير.1860- قال مالك: مَن راطَلَ ذَهبًا بذَهب، أو وَرِقًا بوَرِق، فكان بينَ الذَّهبَين فضْلُ مِثقال، فأَعطى صاحبَه قيمتَه من الوَرِق أو من غيرها، فلا يأخُذْه، فإنَّ ذلك قَبيحٌ وذَريعةٌ إلى الرِّبا، لأنه إذا جازَ له أن يأخذَ المِثقالَ بقِيمتِه حتى كأنّه اشتَراه على حِدَتِه، جازَ له أن يأخذَ المِثقالَ بقِيمتِه مِرارًا، لأن يُجيزَ ذلك البيعَ بينَه وبين صاحبِه.قال مالك: ولو أنّه باعَه ذلك المِثقالَ مُفردًا ليس معه غيرُه، لم يأخُذْه بعُشْر الثَّمن الذي أَخذَه به، لأن يَجوزَ له البيع، فذلك الذَّريعةُ إلى إحلالِ الحرام، والأمرُ المَنهيُّ عنه.1861- قال مالك في الرجل يُراطِل الرجل، ويُعطيه الذهبَ العِتْقَ الجِياد، ويجعلُ معها تِبرًا ذهبًا غيرَ جيدة، ويأخذُ من صاحبِه ذهبًا كوفيّة مقطّعة، وتلك الكوفيّة مكروهةٌ عند الناس، فيَتبايعانِ ذلك مِثلًا بمِثل، إنَّ ذلك لا يصلح.قال مالك: وتفسيرُ ما كُرِه من ذلك: أنَّ صاحب الذَّهب الجِياد أَخذَ فضلَ عُيونَ ذَهبِه في التِّبر الذي طُرِح مع ذهبه، ولولا فضلُ ذهبِه على ذَهبِ صاحبِه لم يُراطِلْه صاحبُه بتِبره ذلك إلى ذهبِه الكوفيّة، وإنّما مَثلُ ذلك كمَثلِ رجلٍ أراد أن يبتاعَ ثلاثة آصُعٍ من تَمرٍ عجوةٍ بصاعينِ ومُدٍّ من تمر كَبِيس، فقيل له: هذا لا يصلح، فجعل صاعَينِ من كَبيس وصاعًا من حَشَف، يريد أن يُجيزَ بذلك بيعَه، فذلك لا يصلح، لأنه لم يكن صاحبُ العجوةِ لِيُعطيه صاعًا من العجوةِ بصاع من حَشَف، ولكنه إنّما أعطاه ذلك لفَضلِ الكَبِيس، أو أن يقولَ الرجلُ للرجل: بِعْني ثلاثة آصُعٍ من البيضاءِ بصاعَين ونصفٍ من حنطةٍ شامية، فيقولَ: هذا لا يصلحُ إلا مِثلًا بمِثل، فيجعلَ صاعَين من حنطةٍ شاميّةٍ وصاعًا من شَعير، يُريدُ أن يجيز بذلك البيعَ فيما بينَهما، فهذا لا يصلُح، لأنه لم يكن لِيُعطيه بصاعٍ من شعيرٍ صاعًا من حنطةٍ بيضاءَ لو كان ذلك الصَّاعُ مُفردًا، وإنّما أعطاه إياه لفضل الشاميّة على البَيضاء، فهذا لا يصلح، وهو مثل ما وَصَفْنا من التِّبر.1862- قال مالك: فكل شيءٍ من الذهب والورق والطعامِ كلِّه الذي لا ينبغي أن يُباعَ إلّا مِثلًا بمِثل، فلا يَنبغي أن يُجعلَ مع الصِّنف الجيدِ منه المرغوبِ فيه، الشيءُ الرَّديءُ المسخوطُ، ليُجازَ بذلك البيعُ، وليُستَحلَّ بذلك ما نُهي عنه من الأمرِ الذي لا يَصلُح إذا جُعل ذلك مع الصِّنف المرغوبِ فيه، وإنّما يريدُ صاحب ذلك أن يدركَ بذلك فضلَ جَودةِ ما يَبيع، فيُعطي الشيءَ الذي لو أعطاهُ وحدَه لم يَقبَلْه صاحبُه، ولم يَهْمُمْ بذلك، وإنّما يَقبلُه من أَجل الذي يأخذُ معه، لِفضْلِ سلعةِ صاحبِه على سِلعتِه، فلا ينبغي لشيءٍ من الذَّهب والورِق والطعام أَن يدخلَه شيءٌ من هذه الصِّفة، فإن أرادَ صاحبُ الطعام الرديءِ أن يَبيعَه بغيره، فليَبِعْه على حِدَتِه، ولا يَجعلْ مع ذلك شيئًا، فلا بأسَ به إذا كان كذلك.
موطأ مالك — رقم الحديث: 1858 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 1304 — ج: 2 — ص: 638
أنَّه بلَغَه، أنَّ صُكوكًا خرَجَتْ للنّاسِ في زَمانِ مَروانَ بنِ الحَكَم من طعامِ الجار، فتَبايَعَ النّاسُ تلك الصُّكوكَ بينَهم قبلَ أن يَستَوفُوها، فدَخلَ زيدُ بنُ ثابتٍ ورَجلٌ من أَصحابِ رسولِ الله ﷺ على مَروانَ بنِ الحَكَم، فقالا: أتُحِلُّ بيعَ الرِّبا يا مروان؟! فقال: أَعوذُ بالله، وما ذاك؟ فقالا: هذه الصُّكوكُ تَبايَعَها النّاسُ ثم باعُوها قبلَ أن يَستَوفُوها، فبعثَ مَروانُ الحَرَسَ يتَّبعونَها، يَنزِعونَها من أَيدي النّاس، ويرُدُّونَها إلى أَهلِها.
موطأ مالك — رقم الحديث: 1867 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 1309 — ج: 2 — ص: 641
أنَّه بلَغَه، أنَّ رجلًا أَرادَ أَن يَبتاعَ طعامًا مِن رجلٍ إلى أَجَل، فذَهبَ به الرَّجلُ الذي يريدُ أن يَبيعَه الطَّعامَ إلى السُّوق، فجَعَلَ يُريهِ الصُّبَرَ، ويقول له: مِن أَيِّها تحبُّ أن أَبتاعَ لك؟ فقال المُبتاع: أَتبيعُني ما ليس عندَك؟ فأَتَيا عبدَ الله بنَ عمر، فذَكَرا ذلك له، فقالَ عبدُ الله بن عمر للمُبتاع: لا تَبِتعْ منه ما ليسَ عندَه، وقال للبائع: لا تَبِعْ ما ليس عندَك.
موطأ مالك — رقم الحديث: 1868 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 1310 — ج: 2 — ص: 169
أنَّه سمِعَ جَميلَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ المؤذِّنَ، يقول لسعيدِ بنِ المُسيِّب: إنِّي رجلٌ أَبتاعُ من الأَرزاقِ التي تُعطَى النّاسَ بالجار، ما شاءَ الله، ثم أُريدُ أَن أَبيعَ الطَّعامَ المَضمُونَ عليَّ إلى أَجَل، فقال له سَعيد: أَتريدُ أن توفِّيَهم من تلك الأَرزاقِ التي ابتَعتَ؟ فقال: نعم، فنَهاهُ عن ذلك. قال مالك: الأمرُ المُجتَمعُ عليه عندَنا، الذي لا اختِلافَ فيه، أنّه مَن اشتَرى طعامًا، بُرًّا أو شعيرًا أو سُلْتًا أو ذُرَةً أو دُخْنًا، أو شيئًا من الحُبوبِ القِطنيّة، أو شيئًا ممّا يُشبهُ القِطنيّة، ممّا تَجِبُ فيه الزَّكاةُ، أو شيئًا من الأُدُم كلِّها، الزَّيتِ والسَّمنِ والعَسلِ والخَلِّ والجُبنِ والشِّيرِق واللَّبَن، وما أَشبَه ذلك مِن الأُدُم، فإنَّ المُبتاعَ، لا يَبيعُ شيئًا مِن ذلك حتى يَقبِضَه ويَستَوفِيَه.
موطأ مالك — رقم الحديث: 1869 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 1311 — ج: 2 — ص: 169