قال ابن إسحاق: وحدّثني عبدُ الواحد بن أبي عَوْن، عن إسماعيل بن محمّد بن سعد بن أبي وَقّاص
قال: مَرَّ رسولُ الله ﷺ بامرأةٍ من بني دينارٍ وقد أُصيبَ زَوجُها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأُحدٍ، فلمّا نُعُوا لها قالت: فما فَعَلَ رسولُ الله ﷺ؟ قالوا: خيرًا يا أمَّ فلانٍ، هو بحمدِ الله كما تُحِبِّين، قالت: أرُونِيهِ حتّى أنظُرَ إليه، فأُشِيرَ لها إليه حتّى إذا رَأَتْه قالت: كلُّ مُصيبةٍ بعدَك جَلَلٌ.قال ابنُ هشام: الجَلَلُ من القليل ومن الكثير، وهو هاهُنا من القليل.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ومحمد بن يحيى بن حبان، كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلق؛
قالوا: بَلَغَ رسولَ الله ﷺ أنّ بني المُصطَلِق يَجمَعُون له، وقائدُهم الحارثُ بن أبي ضِرارٍ أبو جُوَيرِيَة بنت الحارث، زوجِ رسول الله ﷺ، فلمّا سمع رسولُ الله ﷺ بهم خرج إليهم حتّى لَقِيَهم على ماءٍ من مياههم يقال له: المُرَيسِيعُ، من ناحية قُدَيدٍ إلى السّاحل، فتَزاحَفَ الناسُ واقتتلوا، فهَزَمَ اللهُ بني المُصطَلِق، وقَتَلَ مَن قَتَلَ منهم، ونَفَّلَ رسولَ الله ﷺ أبناءَهم ونساءَهم وأموالَهم فأفاءَهم عليه.وقد أُصيبَ رجلٌ من المسلمين من بني كَلْب بن عَوْف بن عامر بن ليث بن بكرٍ يقال له: هشام بن صُبَابة، أصابه رجلٌ من الأنصار من رَهْط عُبَادة بن الصّامت وهو يُرَى أنه من العدوِّ فقتله خطأً.فبَيْنا رسولُ الله ﷺ على ذلك الماءِ وَرَدَت واردةُ الناس، ومع عمر بن الخَطّاب أَجيرٌ له من بني غِفارٍ يقال له: جَهْجاهُ بن مسعودٍ، يقودُ فرسَه، فازدَحَمَ جَهْجاهٌ وسِنانُ بن وَبْرٍ الجُهَنيُّ حليفُ بني عَوْف بن الخَزرَج على الماءِ فاقتَتَلا، فصَرَخَ الجُهَنيّ: يا معشرَ الأنصار، وصَرَخَ جَهْجاه: يا معشرَ المهاجرين، فغَضِبَ عبدُ الله بن أُبيِّ ابنِ سَلُولَ وعنده رَهْطٌ من قومه، فيهم زيدُ بن أرقَمَ غلامٌ حَدَثٌ، فقال: أقد فَعَلُوها، قد نافَرُونا وكاثَرُونا في بلادنا، والله ما أعُدُّنا وجلابِيبَ قريش هذه، إلّا كما قال الأوّلُ: سَمِّنْ كلبَك يأكُلْك، أمَا والله لئِنْ رَجَعْنا إلى المدينة ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، ثمّ أقبَلَ على مَن حَضَرَه من قومه فقال: هذا ما فعلتُم بأنفُسِكم، أحلَلتُموهم بلادَكم وقاسَمتُموهم أموالَكم، أمَا والله لو أمسَكتُم عنهم ما بأيديكم، لتَحَوَّلوا إلى غير داركم.فسَمِعَ ذلك زيدُ بن أرقَمَ فمَشَى به إلى رسول الله ﷺ، وذلك عند فراغِ رسول الله ﷺ من عدوِّه، فأخبره الخبرَ وعنده عمرُ بن الخَطّاب، فقال: مُرْ به عبّادَ بن بِشْرٍ فليَقتُلْه، فقال له رسول الله ﷺ: «فكيفَ يا عمرُ إذا تَحدَّثَ النّاسُ أنَّ محمّدًا يَقتُلُ أصحابَه؟! لا، ولكنْ أذِّنْ بالرَّحِيل» وذلك في ساعةٍ لم يكن رسولُ الله ﷺ يَرتحِلُ فيها، فارتَحَلَ الناسُ.وقد مَشَى عبدُ الله بن أُبيِّ ابنِ سَلُولَ إلى رسول الله ﷺ حين بَلَغَه أنّ زيدَ بن أرقَمَ قد بَلَّغَه ما سمعَ منه، فحَلَفَ بالله ما قلتُ ما قال ولا تكلَّمتُ به، وكان في قومه شريفًا عظيمًا، فقال مَن حَضَرَ رسولَ الله ﷺ من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلامُ قد أَوهَمَ في حديثه ولم يَحفَظْ ما قال الرّجلُ؛ حَدَبًا على ابن أُبيٍّ ودَفْعًا عنه.قال ابن إسحاق: فلمّا استَقَلَّ رسولُ الله ﷺ وسارَ لَقِيَه أُسَيدُ بن حُضَيرٍ فحيَّاهُ بتحيّة النُّبوّة وسَلَّمَ عليه، ثمّ قال: يا نبيَّ الله، والله لقد رُحْتَ في ساعةٍ مُنكَرةٍ ما كنتَ تَرُوحُ في مِثلِها! فقال له رسول الله ﷺ: «أوَما بَلَغَك ما قالَ صاحبُكم؟» قال: أيُّ صاحبٍ يا رسول الله؟ قال: «عبدُ الله بن أُبَيٍّ» قال: وما قالَ؟ قال: «زَعَمَ أنّه إنْ رَجَعَ إلى المدينةِ لَيُخرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ» قال: فأنتَ يا رسولَ الله واللهِ تُخرِجُه إن شئتَ، هو واللهِ الذَّليلُ وأنت العزيزُ، ثمّ قال: يا رسول الله، ارفُقْ به، فوالله لقد جاءَ اللهُ بك وإنَّ قومَه لَيَنظِمونَ له الخَرَزَ ليُتوِّجُوه، فإنّه لَيَرَى أنّك قد استَلَبتَه مُلْكًا.ثمّ مَشَى رسولُ الله ﷺ بالناس يومَهم ذلك حتّى أَمسى، وليلتَهم حتّى أصبَحَ، وصَدْرَ يومِهم ذلك حتّى آذَتْهم الشّمسُ، ثمّ نَزَلَ بالنّاس فلم يَلبَثوا أن وَجَدُوا مَسَّ الأرض فوَقَعوا نِيامًا، وإنّما فعلَ ذلك ليَشغَلَ النّاسَ عن الحديث الذي كان بالأمسِ من حديث عبد الله بن أُبيٍّ.ثمّ راحَ رسولُ الله ﷺ بالنّاس وسَلَكَ الحِجازَ حتّى نَزَلَ على ماءٍ بالحِجازِ فُوَيقَ النَّقِيع يقال له: بَقْعاء، فلمّا راحَ رسولُ الله ﷺ هَبَّتْ على الناس ريحٌ شديدةٌ آذَتْهم وتَخَوَّفوها، فقال رسول الله ﷺ: «لا تَخافُوها، فإنَّما هَبَّتْ لموتِ عَظِيمٍ من عُظَماءِ الكُفّارِ»، فلمّا قَدِموا المدينةَ، وَجَدُوا رِفاعةَ بن زيد بن التّابوتِ أحدَ بني قَينُقاعَ - وكان عظيمًا من عُظَماءِ يهودَ، وكَهْفًا للمنافقين - مات في ذلك اليوم.ونزلت السّورةُ التي ذكرَ اللهُ فيها المنافقين في ابن أُبيٍّ ومَن كان على مِثْل أمرِه، فلمّا نزلت أخَذَ رسولُ الله ﷺ بأُذُن زيدِ بن أرقَمَ ثمّ قال: «هذا الَّذي أَوفَى اللهُ بأُذُنِه».وبَلَغَ عبدَ الله بن عبد الله بن أُبيٍّ الذي كان من أمرِ أبيه.قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصمُ بن عمر بن قَتَادة: أنّ عبدَ الله أَتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّه بَلَغَني أنّك تريدُ قتلَ عبد الله بن أُبيٍّ فيما بَلَغَك عنه، فإن كنتَ فاعلًا فمُرْني به، فأنا أَحمِلُ إليك رأسَه، فوالله لقد عَلِمَت الخَزرَجُ ما كان لها من رجلٍ أبَرَّ بوالدِه منّي، إنّي أَخشى أن تأمُرَ به غيري فيَقتُلَه، فلا تَدَعُني نفسي أنظُرُ إلى قاتل عبد الله بن أُبيٍّ يمشي في الناس فأقتُلَه، فأقتُلَ رجلًا مؤمنًا بكافرٍ فأدخُلَ النارَ، فقال رسول الله ﷺ: «بل نَتَرَفَّقُ به ونُحسِنُ صُحبَتَه ما بَقِيَ معنا».وجَعَلَ بعدَ ذلك إذا أحدَثَ الحَدَثَ كان قومُه هم الذين يُعاتِبونَه ويأخُذونَه ويُعنِّفونَه، فقال رسولُ الله ﷺ لعمر بن الخطّابِ حين بَلَغَه ذلك من شأنِهم: «كيفَ تَرَى يا عمرُ؟! أمَا واللهِ لو قَتَلتُه يومَ قلتَ لي: اقتُلْه، لَأُرعِدَت له آنُفٌ لو أمَرْتُها اليومَ بقتلِه لقَتَلَتْه» قال: قال عمرُ: قد والله عَلِمتُ لَأمرُ رسول الله ﷺ أعظمُ بَرَكةً من أَمري.
فحدّثني يزيدُ بن رُومانَ مولى آلِ الزُّبَير عن عُرْوةَ بن الزُّبَير، ومَن لا أتّهمُ عن عبدِ الله بن كعب بن مالكٍ ومحمّدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، والزُّهْريُّ وعاصمُ بن عمر بن قَتَادة وعبدُ الله بن أبي بكرٍ وغيرُهم من عُلمائِنا
كلٌّ قد اجتَمَع حديثُه في الحديث عن الخندق، وبعضُهم يحدِّث ما لا يحدِّث بعضٌ؛ قالوا: إنَّه كان من حديث الخندقِ أنّ نَفَرًا من اليهود، منهم سَلَامُ بن أبي الحُقَيق النَّضْريّ، وحُيَيُّ بن أخطَبَ النَّضْريّ، وكِنانةُ بن الرَّبيع بن أبي الحُقَيق النَّضْريّ، وهَوْذةُ بن قيسٍ الوائليّ، وأبو عمّارٍ الوائليّ، في نَفَرٍ من بني النَّضير ونَفرٍ من بني وائلٍ، وهم الّذين حَزَّبوا الأحزابَ على رسول الله ﷺ، خَرَجوا حتّى قَدِمُوا على قريشٍ مكّةَ، فدَعَوهم إلى حربِ رسول الله ﷺ وقالوا: إنّا سنكونُ معكم عليه حتّى نَستأصِلَه، فقالت لهم قريشٌ: يا مَعشَرَ يهودَ، إنّكم أهلُ الكتابِ الأوّلِ والعلمِ بما أصبَحْنا نَختلِفُ فيه نحنُ ومحمّدٌ، أفدِينُنا خيرٌ أم دينُه؟ قالوا: بل دينُكم خيرٌ من دينه، وأنتم أَولى بالحقِّ منه؛ فهم الّذين أنزَلَ الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: النّبوّة ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 54 -55].
قال ابن هشام: حدّثني مَن أثِقُ به عن أبي بكرٍ الهُذَلي
قال: بَلَغَني أنّ رسولَ الله ﷺ خرج على أصحابه ذاتَ يومٍ بعدَ عُمرتِه التي صُدَّ عنها يومَ الحُدَيبيَةِ فقال:... فبَعَثَ رسولُ الله ﷺ رُسُلًا من أصحابه، وكتبَ معهم كُتُبًا إلى الملوك يَدعُوهم فيها إلى الإسلام، فبَعَثَ دِحْيةَ بن خَلِيفة الكَلْبيَّ إلى قَيصَرَ ملكِ الرُّوم، وبَعَثَ عبدَ الله بن حُذَافة السَّهْميَّ إلى كِسْرى ملكِ فارسَ، وبَعَثَ عمرَو بن أُميّة الضَّمْريَّ إلى النَّجَاشيّ ملكِ الحَبَشة، وبَعَثَ حاطبَ بن أبي بَلتَعة إلى المُقَوقِس ملكِ الإسكندريّة، وبَعَثَ عمرَو بن العاصِ السَّهْميَّ إلى جَيفَرٍ وعِيَاذٍ ابنَي الجُلَندَى الأزديَّينِ ملكَي عُمَانَ، وبَعَثَ سَلِيطَ بن عمرٍو أحدَ بني عامر بن لُؤيٍّ إلى ثُمَامةَ بن أُثالٍ وهَوْذةَ بن عليٍّ الحَنَفيَّين ملكَي اليَمَامة، وبَعَثَ العلاءَ بن الحَضرَميِّ إلى المُنذِر بن ساوَى العَبْديِّ ملكِ البحرَين، وبَعَثَ شُجَاعَ بن وهبٍ الأسديَّ إلى الحارثِ بن أبي شَمِرٍ الغسّانيِّ ملكِ تُخومِ الشّام.قال ابن هشام: بَعَثَ شُجاعَ بن وهبٍ إلى جَبَلة بن الأيهَمِ الغسّانيّ، وبَعَثَ المهاجرَ بن أبي أُميّة المخزوميَّ إلى الحارثِ بن عبدِ كُلَالٍ الحِمْيَريِّ ملكِ اليمن.
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد قال: حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف
قال: فلمّا قُتِلَ جعفرٌ، أَخذَ عبدُ الله بن رَوَاحةَ الرّايةَ ثمّ تَقدَّمَ بها وهو على فرسِه، فجَعَلَ يَستَنزِلُ نفسَه ويَتردَّدُ بعضَ التّردُّدِ، ثمّ قال:أَقسَمتُ يا نفسُ لتَنزِلِنَّهْ ... لتَنزِلِنَّ أو لتُكرَهِنَّهْإنْ أَجلَبَ الناسُ وشَدُّوا الرَّنَّهْ ... ما لي أراكِ تكرهينَ الجنَّهْقد طالَ ما قدْ كنتِ مُطمئِنَّهْ ... هل أنتِ إلّا نُطْفةٌ في شَنَّهْوقال أيضاً:يا نفسُ إلّا تُقتَلي تَمُوتي ... هذا حِمَامُ الموتِ قد صَلِيتِوما تَمنّيتِ فقد أُعطِيتِ ... إنْ تفعلي فِعلَهما هُدِيت
قال ابن إسحاق: حدّثني الزُّهْريُّ، عن عُرْوة بن الزُّبَير، عن المِسوَر بن مَخرَمةَ ومروانَ بن الحَكَمِ وغيرِهم من عُلمائنا
قال ابنُ إسحاق: ثمّ أقامَ رسولُ الله ﷺ بعد بَعثِه إلى مُؤْتةَ جُمادَى الآخرةَ ورَجَبًا.ثمّ إنَّ بني بكر بن عبدِ مَناة بن كِنانةَ عَدَت على خُزَاعةَ وهم على ماءٍ لهم بأسفلِ مكّة يقال له: الوَتِيرُ.وكان الّذي هاجَ ما بين بني بكرٍ وخُزَاعةَ: أنّ رجلًا من بني الحَضْرميّ واسمه مالكُ بن عبّادٍ، وحِلفُ الحَضْرميِّ يومَئذٍ إلى الأسوَد بن رَزْنٍ، خرج تاجرًا، فلمّا توسَّطَ أرضَ خُزَاعة عَدَوْا عليه فقتلوه وأخذوا مالَه، فعَدَتْ بنو بكرٍ على رجلٍ من خُزَاعة فقتلوه، فعَدَتْ خُزَاعةُ قُبَيلَ الإسلام على بني الأسوَد بن رَزْنٍ الدِّيلِيِّ، وهم مَنخِرُ بني كِنانةَ وأشرافُهم: سَلْمى وكُلْثومٌ وذُؤَيبٌ، فقتلوهم بعَرَفة عند أَنصابِ الحَرَم.قال ابن إسحاق: وحدّثني رجلٌ من بني الدِّيل قال: كان بنو الأسوَد بن رَزْن يُودَوْنَ في الجاهليّة دِيَتَينِ دِيَتَينِ، ونُودَى دِيةً دِيةً، لفَضْلهم فينا.قال ابن إسحاق: فبَيْنا بنو بكرٍ وخُزَاعةُ على ذلك، حَجَزَ بينهم الإسلامُ وتشاغَلَ النّاسُ به، فلمّا كان صُلْحُ الحُدَيبيَة بين رسول الله ﷺ وبين قريشٍ، كان فيما شَرَطوا لرسول الله وشَرَطَ لهم - كما حدّثني الزُّهْريُّ، عن عُرْوة بن الزُّبَير، عن المِسوَر ابن مَخرَمةَ ومروانَ بن الحَكَمِ وغيرِهم من عُلمائنا -: أنّه من أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقْد رسول الله ﷺ وعَهدِه فليَدخُلْ فيه، ومن أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقْد قُريشٍ وعَهدِهم، فليَدخُلْ فيه، فدَخَلَت بنو بكرٍ في عَقْد قريشٍ، ودَخَلَت خُزَاعةُ في عَقْد رسولِ الله ﷺ.قال ابن إسحاق: فلمّا كانت الهُدْنةُ اغتَنَمَها بنو الدِّيلِ من بني بكرٍ من خُزَاعة، وأرادوا أن يُصيبوا منهم ثأْرًا بأُولئك النَّفَر الّذين أصابوا منهم؛ بني الأسوَد بن رَزْن، فخرج نَوفَلُ بن معاويةَ الدِّيلِيُّ في بني الدِّيل وهو يومَئذٍ قائدُهم، وليس كلُّ بني بكرٍ تابَعَه، حتّى بَيَّتَ خُزَاعةَ وهم على الوَتِيرِ، ماءٍ لهم، فأصابوا منهم رجلًا، وتَحاوَزُوا واقتَتَلوا، ورَفَدَت بني بكرٍ قُرَيشٌ بالسِّلاح، وقاتَلَ معهم من قريشٍ مَن قاتَلَ باللّيل مُستخفِيًا، حتّى حازُوا خُزَاعةَ إلى الحَرَم، فلمّا انتَهَوْا إليه قالت بنو بكرٍ: يا نوفلُ، إنّا قد دخلنا الحَرَمَ، إلهَكَ إلهَكَ، فقال كَلِمةً عظيمةً: لا إلهَ له اليومَ، يا بني بكرٍ أَصِيبوا ثأرَكم، فلَعَمْري إنّكم لتَسرِقون في الحَرَم، أفلا تُصِيبونَ ثأرَكم فيه.وقد أصابوا منهم ليلةَ بَيَّتُوهم بالوَتِيرِ رجلًا يقال له: مُنبِّهٌ، وكان مُنبِّهٌ رجلًا مَفْؤودًا، خرج هو ورجلٌ من قومه يقال له: تَمِيمُ بن أَسدٍ، فقال له مُنبِّهٌ: يا تميمُ، انجُ بنفسِك، فأمّا أنا فوالله إنّي لَميّتٌ قَتَلوني أو تَرَكوني، لقد انبَتَّ فُؤادي، وانطَلَقَ تميمٌ فأَفلَتَ، وأدرَكُوا منبِّهًا فقتلوه، فلمّا دَخَلَت خُزَاعةُ مكّةَ، لَجَؤُوا إلى دارِ بُدَيل بن وَرْقاءَ ودارِ مولًى لهم يقال له: رافعٌ...قال ابن إسحاق: فلمّا تَظاهَرَت بنو بكرٍ وقُرَيشٌ على خُزَاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونَقَضُوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهدِ والميثاقِ بما استَحَلُّوا من خُزَاعة، وكانوا في عَقْدِه وعهدِه، خرج عَمرُو بن سالمٍ الخُزاعيُّ ثمّ أحدُ بني كعبٍ حتّى قَدِمَ على رسول الله ﷺ المدينةَ، وكان ذلك ممّا هاجَ فتحَ مكّة...قال ابن إسحاق: فقال رسولُ الله ﷺ: «نُصِرتَ يا عَمْرَو بنَ سالمٍ».ثمّ عَرَضَ لرسول الله ﷺ عَنَانٌ من السماءِ، فقال: «إنَّ هذه السَّحَابةَ لتَستَهِلُّ بنَصْرِ بني كَعب».
ولمّا سمِعتْ هَوازِنُ برسولِ الله ﷺ وما فَتَحَ اللهُ عليه من مكّةَ جَمَعَها مالكُ بن عَوفٍ النَّصْريُّ، فاجتَمَعَ إليه مع هوازِنَ ثَقيفٌ كلُّها، واجتَمَعَت نَصْرٌ وجُشَمُ كلُّها، وسعدُ بن بكرٍ، وناسٌ من بني هِلالٍ وهم قليلٌ، ولم يَشهَدْها من قيسِ عَيْلانَ إلّا هؤلاءِ، وغابَ عنها فلم يَحضُرْها من هوازنَ كعبٌ وكِلابٌ، ولم يَشهَدْها منهم أحدٌ له اسمٌ، وفي بني جُشَمَ دُرَيدُ بن الصِّمّةِ شيخٌ كبيرٌ ليس فيه شيءٌ إلّا التَّيمُّنَ برأيِه ومعرفتِه بالحرب، وكان شيخًا مُجرِّبًا، وفي ثَقيفٍ سيِّدانِ لهم: في الأحلافِ قارِبُ بن الأسوَد بن مسعود بن مُعتِّب، وفي بني مالكٍ ذو الخِمَارِ سُبَيعُ بن الحارث بن مالكٍ أو أخوه أحمرُ بن الحارث، وجِمَاعُ أمرِ النّاس إلى مالكِ بن عوفٍ النَّصْريّ.فلمّا أَجمَعَ السَّيرَ إلى رسول الله ﷺ حَطَّ مع الناس أموالَهم ونِساءَهم وأبناءَهم، فلمّا نَزَلَ بأَوطاسٍ اجتمع إليه الناس، وفيهم دُرَيدُ بن الصّمّة في شِجَارٍ له يُقادُ به، فلمّا نَزَلَ قال: بأيِّ وادٍ أنتم؟ قالوا: بأَوطاسٍ، قال: نِعمَ مَجالُ الخيل، لا حَزْنٌ ضِرْس، ولا سهلٌ دَهْس، ما لي أَسمعُ رُغَاءَ البعير، ونُهَاقَ الحمير، وبكاءَ الصغير، ويُعَارَ الشّاءِ؟ قالوا: ساقَ مالكُ بن عوفٍ مع الناس أموالَهم ونساءَهم وأبناءَهم، قال: أين مالكٌ؟ قيل: هذا مالكٌ.ودُعِيَ له فقال: يا مالكُ، إنّك قد أصبحتَ رئيسَ قومِك، وإنّ هذا يومٌ كائنٌ له ما بعدَه من الأيّام، ما لي أسمعُ رُغَاءَ البعير، ونُهَاقَ الحمير، وبكاءَ الصغير، ويُعارَ الشّاءِ؟ قال: سُقْتُ مع النّاس أبناءَهم ونساءَهم وأموالَهم، قال: ولِمَ؟ قال: أردتُ أن أجعَلَ خلفَ كلِّ رجلٍ أهلَه ومالَه ليُقاتِلَ عنهم، قال: فأَنقَضَ به، ثمّ قال: راعي ضَأْنٍ والله! وهل يردُّ المنهزمَ شيءٌ؟! إنّها إن كانت لك، لم يَنفَعْك إلّا رجلٌ بسيفِه ورُمحِه، وإن كانت عليك، فُضِحتَ في أهلِك ومالِك.ثمّ قال: ما فَعَلَت كعبٌ وكِلابٌ؟ قالوا: لم يَشهَدْها منهم أحدٌ، قال: غابَ الحَدُّ والجِدُّ، ولو كان يومَ عَلاءٍ ورِفْعةٍ لم تَغِبْ عنه كعبٌ ولا كِلابٌ، ولوَدِدتُ أنّكم فعلتُم ما فَعَلَت كعبٌ وكِلابٌ، فمَن شَهِدَها منكم؟ قالوا: عمرُو بن عامرٍ وعوفُ بن عامرٍ، قال: ذانِكَ الجَذَعانِ من عامرٍ لا يَنفَعان ولا يَضُرّان، يا مالكُ إنّك لم تَصنَعْ بتقديم البَيْضةِ بيضةِ هوازِنَ إلى نُحورِ الخيل شيئًا، ارفَعْهم إلى مُتَمنَّعِ بلادِهم وعُلْيا قومِهم، ثمّ الْقَ الصُّبّاءَ على مُتونِ الخيل، فإن كانت لك لَحِقَ بك مَن وراءَك، وإن كانت عليك أَلْفاكَ ذلك قد أحرَزْتَ أهلَك ومالَك، قال: والله لا أفعلُ ذلك، إنّك قد كَبِرتَ وكَبِرَ عقلُك، والله لتُطيعُنَّني يا مَعشَرَ هوازِنَ، أو لَأتَّكِئَنَّ على هذا السَّيف حتّى يخرجَ من ظهري؛ وكَرِهَ أن يكون لدُرَيد بن الصِّمّة فيها ذِكرٌ أو رأيٌ، فقالوا: أطَعْناك، فقال دُرَيدُ بن الصِّمّة: هذا يومٌ لم أشهَدْه ولم يَفُتْني:يا لَيتَني فيها جَذَعْ ... أخُبُّ فيها وأضَعْأقودُ وَطْفاءَ الزَّمَعْ ... كأنّها شاةٌ صَدَعْثمّ قال مالكٌ للناس: إذا رأيتُموهم فاكسِرُوا جُفونَ سيوفِكم ثمّ شُدُّوا شَدَّة رجلٍ واحدٍ.قال: وحدّثني أُميّةُ بن عبد الله بن عمرو بن عثمانَ، أنّه حُدِّث: أنّ مالكَ بن عوفٍ بَعَثَ عُيونًا من رجاله، فأَتَوه وقد تفرَّقَت أَوصالُهم، فقال: وَيلَكم ما شَأنُكم؟ قالوا: رأَينا رجالًا بِيضًا على خيلٍ بُلْقٍ، والله ما تماسَكْنا أن أصابَنا ما تَرَى. فوالله ما رَدَّه ذلك عن وجهِه أنْ مضى على ما يريد.قال ابن إسحاق: ولمّا سمعَ بهم نبيُّ الله ﷺ بَعَثَ إليهم عبدَ الله بن أبي حَدرَدٍ الأسلَميَّ وأمَرَه أن يدخُلَ في الناس فيُقِيمَ فيهم حتّى يعلمَ عِلمَهم ثمّ يأتيَه بخَبَرِهم. فانطَلَقَ ابنُ أبي حَدرَدٍ فدخل فيهم، فأقام فيهم حتّى سمعَ وعَلِمَ ما قد أَجمَعوا له من حربِ رسول الله ﷺ، وسمعَ من مالكٍ وأَمرِ هوازِنَ ما هم عليه، ثمّ أقبَلَ حتّى أتى رسولَ الله ﷺ فأخبره الخبر.فلمّا أجمَعَ رسولُ الله ﷺ السَّيرَ إلى هوازِنَ ليَلقاهُم، ذُكِرَ له أنّ عند صفوانَ بن أُميّة أَدراعًا له وسلاحًا، فأرسَلَ إليه وهو يومَئذٍ مشركٌ، فقال: «يا أَبا أُميَّةَ، أَعِرْنا سِلاحَك هذا نَلْقَ فيه عَدُوَّنا غدًا» فقال صفوانُ: أغَصْبًا يا محمّدُ؟ قال: «بل عارِيَّةٌ مَضمُونةٌ حتّى نُؤَدِّيَها إليكَ» قال: ليس بهذا بأسٌ، فأعطاه مئةَ دِرعٍ بما يَكفِيها من السلاح، فزَعَموا أنّ رسول الله ﷺ سأَله أن يَكفِيَهم حَمْلَها، ففعل.ثمّ خرج رسولُ الله ﷺ معه ألفانِ من أهلِ مكّة مع عَشَرةِ آلافٍ من أصحابه الذين خرجوا معه ففَتَحَ اللهُ بهم مكّة، فكانوا اثني عَشَرَ ألفًا، واستَعمَلَ رسولُ الله ﷺ عَتّابَ بن أَسِيد بن أبي العِيصِ بن أُميّة بن عبد شمسٍ على مكّة أميرًا على مَن تَخلَّفَ عنه من النّاس، ثمّ مضى رسولُ الله ﷺ على وجهِه يريد لقاءَ هوازِنَ.
قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصمُ بن عمر بن قَتَادة، عن محمود بن لَبِيدٍ، عن رجالٍ من بني عبد الأشهَل
قال: قلت لمحمودٍ: هل كان الناسُ يَعرِفون النِّفاقَ فيهم؟ قال: نعم والله، إن كان الرّجلُ ليَعرِفُه من أخيه ومن أبيه ومن عمِّه، وفي عَشِيرتِه، ثمّ يَلبَسُ بعضُهم بعضًا على ذلك.ثمّ قال محمودٌ: لقد أخبرني رجالٌ من قومي، عن رجلٍ من المنافقين معروفٌ نِفاقُه، كان يَسِيرُ مع رسول الله ﷺ حيثُ سارَ، فلمّا كان من أمر الماءِ بالحِجْرِ ما كان، ودعا رسولُ الله ﷺ حين دعا، فأرسَلَ اللهُ السّحابةَ فأمطَرَت حتّى ارتَوَى الناسُ، قالوا: أقبَلْنا عليه نقولُ: وَيحَك، هل بعدَ هذا شيءٌ؟! قال: سحابةٌ مارّةٌ.
قال ابن إسحاق: وحدّثني حَكِيم بن حَكِيم بن عبّاد بن حُنَيفٍ، عن أبي جعفرٍ محمّدِ بن عليٍّ رضوان الله عليه
أنه قال: لمّا نَزَلَت براءةُ على رسول الله ﷺ، وقد كان بَعَثَ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ ليُقيمَ للناس الحَجَّ، قيلَ له: يا رسولَ الله، لو بَعَثتَ بها إلى أبي بكرٍ! فقال: «لا يُؤَدِّي عنِّي إلَّا رجلٌ من أهلِ بَيْتي»، ثمّ دعا عليَّ بن أبي طالبٍ فقال له: «اخرُجْ بهذه القِصَّةِ من صَدْرِ بَراءةَ، وأذِّنْ في النّاسِ يومَ النَّحْرِ إذا اجتَمَعُوا بمِنًى: أنَّه لا يَدخُلُ الجَنّةَ كافرٌ، ولا يَحُجُّ بعدَ العامِ مُشرِكٌ، ولا يَطُوفُ بالبيتِ عُرْيانٌ، ومَن كانَ له عندَ رسولِ الله ﷺ عَهدٌ فهو له إلى مُدَّتِه»، فخرج عليُّ بن أبي طالبٍ، رِضوانُ الله عليه، على ناقةِ رسول الله ﷺ العَضْباءِ حتّى أَدرَكَ أبا بكرٍ بالطّريق، فلمّا رآه أبو بكرٍ الصِّدّيقُ قال: أأميرٌ أم مأمورٌ؟ فقال: بل مأمورٌ، ثمّ مَضَيَا.
قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري قال: حدثني أنس بن مالك
قال: لمّا بُويِعَ أبو بكرٍ في السَّقيفة وكان الغَدُ، جَلَسَ أبو بكرٍ على المِنبَر، فقامَ عمرُ فتكلَّم قبلَ أبي بكرٍ، فحَمِدَ اللهَ وأثنَى عليه بما هو له أهلٌ، ثمّ قال: أيّها الناسُ، إنّي قد كنتُ قلتُ لكم بالأَمسِ مَقالةً ما كانت ممّا وَجَدتُها في كتابِ الله، ولا كانت عهدًا عَهِدَ إليَّ رسولُ الله ﷺ، ولكنّي قد كنت أُرَى أنّ رسولَ الله ﷺ سيَدبُرُ أمرَنا - يقول: يكون آخرَنا – وإنّ الله قد أَبقَى فيكم كتابَه الّذي به هَدَى رسولَه، فإن اعتَصَمتُم به هَدَاكم الله لمَا كان هَدَاه له، وإنّ الله قد جَمَعَ أمرَكم على خيرِكم، صاحبِ رسول الله ﷺ، ثاني اثنين إذ هما في الغارِ، فقوموا فبايِعُوه. فبايَعَ الناسُ أبا بكرٍ بَيْعةَ العامّةِ بعد بَيْعةِ السَّقيفة.ثمّ تكلَّم أبو بكرٍ، فحَمِدَ الله وأثنَى عليه بالّذي هو أهلُه، ثمّ قال: أمّا بعدُ، أيّها الناسُ، فإنّي قد وُلِّيتُ عليكم ولستُ بخيرِكم، فإن أحسنتُ فأَعِينُوني، وإن أسأتُ فقَوِّموني.الصِّدقُ أمانةٌ، والكَذِبُ خِيانةٌ، والضّعيفُ فيكم قويٌّ عندي حتّى أُرِيحَ عليه حَقَّه إن شاءَ الله، والقويُّ فيكم ضعيفٌ عندي حتّى آخُذَ الحقَّ منه إن شاءَ الله.لا يَدَعُ قومٌ الجهادَ في سبيلِ الله إلّا ضَرَبَهم الله بالذُّلِّ، ولا تَشِيعُ الفاحشةُ في قومٍ قَطُّ إلّا عَمَّهم الله بالبلاءِ، أَطِيعوني ما أَطَعتُ اللهَ ورسولَه، فإذا عَصَيتُ اللهَ ورسولَه فلا طاعةَ لي عليكم، قوموا إلى صلاتِكم يَرحَمُكم الله.
وكتب رسولُ الله ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادَعَ فيه يهودَ وعاهَدَهم، وأقرَّهم على دينِهم وأموالِهم، واشتَرَطَ عليهم وشَرَطَ لهم: بسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم، هذا كتابٌ من محمَّدٍ النّبيِّ بين المؤمنينَ والمسلمينَ من قُريشٍ ويَثرِبَ، ومَن تَبِعَهم فلَحِقَ بهم وجاهَدَ معهم، أنَّهم أُمّةٌ واحدةٌ من دون النّاس، المهاجرون من قريشٍ على رِبْعتِهم يَتعاقَلُون بينهم، وهم يَفْدُون عانِيَهم بالمعروف والقِسْط بين المؤمنين، وبنو عوفٍ على رِبْعتِهم يتعاقلون مَعاقِلَهم الأُولى، وكلُّ طائفةٍ تَفْدي عانِيَها بالمعروف والقِسْط بين المؤمنين، وبنو الحارثِ على رِبْعتِهم يتعاقلون مَعاقِلَهم الأُولى، وكلُّ طائفةٍ تَفْدي عانيَها بالمعروف والقِسْط بين المؤمنين، وبنو ساعدةَ على رِبْعتِهم يتعاقلون مَعاقِلَهم الأُولى، وكلُّ طائفةٍ تَفْدي عانيَها بالمعروف والقِسْط بين المؤمنين، وبنو جُشَم على رِبْعتِهم يتعاقلون مَعاقِلَهم الأُولى، وكلُّ طائفةٍ منهم تَفْدي عانيَها بالمعروف والقِسْط بين المؤمنين، وبنو النَّجّارِ على رِبْعتِهم يتعاقلون مَعاقِلَهم الأُولى، وكلُّ طائفةٍ منهم تَفْدي عانيَها بالمعروف والقِسْط بين المؤمنين، وبنو عمرِو بن عوفٍ على رِبْعتِهم يتعاقلون مَعاقِلَهم الأُولى، وكلُّ طائفةٍ تَفْدي عانيَها بالمعروف والقِسْط بين المؤمنين، وبنو النَّبِيتِ على رِبْعتِهم يتعاقلون مَعاقِلَهم الأُولى، وكلُّ طائفةٍ تَفْدي عانيَها بالمعروف والقِسْط بين المؤمنين، وبنو الأَوسِ على رِبْعتِهم يتعاقلون مَعاقِلَهم الأُولى، وكلُّ طائفةٍ تَفْدي عانيَها بالمعروف والقِسْط بين المؤمنين، وأنّ المؤمنين لا يتركون مُفْرَحًا بينهم أن يُعطُوه بالمعروف في فداءٍ أو عقلٍ.ولا يحالفُ مؤمنٌ مولى مؤمنٍ دونَه، وأنّ المؤمنين المتَّقين على مَن بَغَى منهم، أو ابتَغَى دَسِيعةَ ظُلمٍ أو إثمٍ أو عُدْوانٍ أو فسادٍ بين المؤمنين، وأنّ أيديَهم عليه جميعاً ولو كان وَلَدَ أحدِهم، ولا يَقتُلُ مؤمنٌ مؤمنًا في كافر، ولا يُنصَرُ كافرٌ على مؤمنٍ، وأنّ ذِمّةَ الله واحدة، يُجِيرُ عليهم أَدْناهم، وأنّ المؤمنين بعضُهم موالي بعضٍ دونَ الناس، وأنّه مَن تَبِعَنا من يهودَ فإنّ له النَّصرَ والأُسوَة، غيرَ مظلومين ولا مُتناصَرٍ عليهم، وأنَّ سِلْمَ المؤمنين واحدةٌ، لا يُسالِمُ مؤمنٌ دون مؤمنٍ في قتال في سبيل الله إلّا على سواءٍ وعَدْلٍ بينهم، وأنَّ كلَّ غازيةٍ غَزَتْ معنا يُعقِبُ بعضُها بعضًا، وأنَّ المؤمنين يُبِيءُ بعضُهم على بعضٍ بما نال دماءَهم في سبيل الله، وأنّ المؤمنين المتَّقين على أحسنِ هُدًى وأقوَمِه.وأنّه لا يُجِيرُ مشركٌ مالًا لقريشٍ ولا نفسًا ولا يَحُولُ دونَه على مؤمنٍ، وأنّه من اعتَبَطَ مؤمنًا قَتلًا عن بيِّنةٍ فإنّه قَوَدُ يدٍ إلا أن يُرضيَ وليَّ المقتول، وأنّ المؤمنين عليه كافّةٌ ولا يَحِلُّ لهم إلا قيامٌ عليه، وأنّه لا يَحِلُّ لمؤمنٍ أَقَرَّ بما في هذه الصَّحيفة وآمَنَ بالله واليوم الآخر، أن يَنصُرَ مُحدِثًا ولا يُؤْوِيَه، وأنّه من نَصَرَه أو آوَاه، فإنّ عليه لَعْنةَ الله وغَضَبَه يومَ القيامة، ولا يُؤخَذُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ، وأنّكم مهما اختلفتُم فيه من شيءٍ، فإنّ مَرَدَّه إلى الله وإلى محمَّدٍ ﷺ.وأنَّ اليهود يُنفِقُون مع المؤمنين ما داموا مُحارِبين، وأنّ يهودَ بني عَوفٍ أُمّةٌ مع المؤمنين، لليهودِ دينُهم وللمسلمين دينُهم، مَوالِيَهم وأنفُسَهم، إلّا من ظَلَمَ وأَثِمَ، فإنّه لا يُوتِغُ إلّا نفسَه وأهلَ بيتِه.وأنّ ليهودِ بني النَّجّار مثلَ ما ليهودِ بني عوف، وأنّ ليهودِ بني الحارثِ مثلَ ما ليهودِ بني عوف، وأنّ ليهودِ بني ساعدةَ مثلَ ما ليهودِ بني عوف، وأنّ ليهودِ بني جُشَمَ مثلَ ما ليهودِ بني عوف، وأنّ ليهودِ بني الأَوسِ مثلَ ما ليهودِ بني عوف، وأنّ ليهودِ بني ثَعلَبة مثلَ ما ليهودِ بني عوف، إلّا من ظَلَمَ وأَثِمَ، فإنّه لا يُوتِغُ إلا نفسَه وأهلَ بيتِه، وأنّ جَفْنةَ بطنٌ من ثَعلَبة كأنفُسِهم، وأنّ لبني الشَّطْبةِ مثلَ ما ليهودِ بني عوف، وإنّ البِرَّ دونَ الإثم، وأنّ مواليَ ثَعلَبة كأنفُسِهم، وأنّ بِطانةَ يهودَ كأنفُسِهم، وأنّه لا يَخرُج منهم أحدٌ إلا بإذن محمّدٍ ﷺ، وأنّه لا يَنحجِزُ على ثأرِ جُرحٍ، وأنّه من فَتَكَ فبنفسِه إلّا من ظُلِم، وإنّ الله على أبرِّ هذا.وأنّ على اليهود نَفَقتهم وعلى المسلمين نَفَقتهم، وأنّ بينهم النَّصرَ على من حارَبَ أهلَ هذه الصَّحيفة، وأنّ بينهم النُّصحَ والنَّصيحةَ والبِرَّ دونَ الإثم، وأنّه لم يأثَمِ امرُؤٌ بحَلِيفِه، وأنَّ النَّصرَ للمظلوم، وأنّ اليهود يُنفِقُون مع المؤمنين ما داموا مُحارِبين، وأنّ يَثرِبَ حرامٌ جَوْفُها لأهلِ هذه الصَّحيفة، وأنّ الجارَ كالنَّفس غيرَ مُضارٍّ ولا آثمٍ، وأنّه لا تُجَارُ حُرْمةٌ إلا بإذن أهلِها، وأنّه ما كان بين أهل هذه الصَّحيفة من حَدَثٍ أو اشتجارٍ يُخَافُ فسادُه، فإنَّ مَرَدَّه إلى الله وإلى محمَّدٍ رسولِ الله ﷺ، وإنّ الله على أَتقَى ما في هذه الصَّحيفة وأَبرِّه، وأنّه لا تُجَارُ قريشٌ ولا مَن نَصَرَها، وأنّ بينَهم النَّصرَ على من دَهِمَ يَثرِبَ، وإذا دُعُوا إلى صُلح يُصالِحُونه ويَلبَسُونه، فإنّهم يُصالِحُونه ويَلبَسُونه، وأنّهم إذا دُعُوا إلى مثلِ ذلك فإنّه لهم على المؤمنين إلّا من حارَبَ في الدِّين، على كلِّ إنسانٍ حِصَّتُهم من جانبِهم الّذي قِبَلَهم، وأنّ يهودَ الأَوسِ مَوَاليَهم وأنفُسَهم على مثلِ ما لأهلِ هذه الصَّحيفة، مع البِرِّ المَحْضِ من أهل هذه الصَّحيفة.قال ابن إسحاق: وإنّ البِرَّ دون الإثم، لا يَكسِبُ كاسبٌ إلّا على نفسه، وإنّ الله على أصدقِ ما في هذه الصَّحيفة وأبرِّه، وأنّه لا يَحُولُ هذا الكتابُ دون ظالمٍ أو آثمٍ، وأنّه مَن خَرَجَ آمنٌ ومَن قَعَدَ آمنٌ بالمدينة، إلّا من ظَلَمَ وأَثِمَ، وإنّ الله جارٌ لمن بَرَّ واتَّقى، ومحمّدٌ رسولُ الله ﷺ.
حدّثني محمّدُ بن جعفر بن الزُّبَير ويزيدُ بن رُومانَ ومَن لا أتَّهمُ، عن عبد الله بن كعب بن مالكٍ - وكان من أعلمِ الأنصار -
قال: فكان أبو سفيانَ حين رجع إلى مكّة، ورجع فَلُّ قريشٍ من بدرٍ، نَذَرَ أن لا يَمَسَّ رأسَه ماءٌ من جَنابةٍ حتّى يَغزُوَ محمّدًا ﷺ، فخرج في مئَتي راكبٍ من قريشٍ ليَبَرَّ يمينُه، فسَلَكَ النَّجْديّةَ حتّى نَزَلَ بصَدْر قَناةَ إلى جبل يقال له: ثَيْبٌ، من المدينة على بَريدٍ أو نحوه، ثمّ خرج من اللّيل حتّى أَتى بني النَّضير تحت اللّيل، فأتى حُيَيَّ بن أخطَبَ، فضَرَبَ عليه بابَه فأَبَى أن يفتحَ بابَه له وخافَه، فانصَرَفَ عنه إلى سَلَام بن مِشكَم، وكان سيّدَ بني النَّضير في زمانه ذلك وصاحِبَ كَنزِهم، فاستأذَنَ عليه فأَذِنَ له، فقَرَاه وسَقَاه وبَطَنَ له من خَبَر الناس.ثمّ خرج في عَقِبِ ليلتِه حتّى أتى أصحابَه، فبَعَثَ رجالًا من قريشٍ فأتَوْا ناحيةً من المدينة يقال لها: العُرَيضُ، فحَرَقوا في أَصوارٍ من نخلٍ بها، ووَجَدوا رجلًا من الأنصار وحَليفًا له في حَرْثٍ لهما، فقتلوهما، ثمّ انصَرَفوا راجعين، ونَذِرَ بهم الناسُ، فخرج رسولُ الله ﷺ في طَلَبِهم - واستَعمَل على المدينة بشيرَ بن عبد المُنذِر وهو أبو لُبَابة فيما قال ابن هشام – حتّى بَلَغَ قَرقَرةَ الكُدْر، ثمّ انصَرَفَ راجعًا وقد فاتَه أبو سفيانَ وأصحابُه، وقد رأَوا أزوادًا من أزواد القوم قد طَرَحوها في الحَرْث يَتخفَّفُون منها للنَّجاءِ، فقال المسلمون حين رجع بهم رسولُ الله ﷺ: يا رسولَ الله، أتطمَعُ لنا أن تكون غزوةً؟ قال: «نعم».