السيرة النبوية لابن هشام
حديث 170812
عرض السند
قال ابن إسحاق: حدّثني الزُّهْريُّ، عن عُرْوة بن الزُّبَير، عن المِسوَر بن مَخرَمةَ ومروانَ بن الحَكَمِ وغيرِهم من عُلمائنا
قال ابنُ إسحاق: ثمّ أقامَ رسولُ الله ﷺ بعد بَعثِه إلى مُؤْتةَ جُمادَى الآخرةَ ورَجَبًا. ثمّ إنَّ بني بكر بن عبدِ مَناة بن كِنانةَ عَدَت على خُزَاعةَ وهم على ماءٍ لهم بأسفلِ مكّة يقال له: الوَتِيرُ. وكان الّذي هاجَ ما بين بني بكرٍ وخُزَاعةَ: أنّ رجلًا من بني الحَضْرميّ واسمه مالكُ بن عبّادٍ، وحِلفُ الحَضْرميِّ يومَئذٍ إلى الأسوَد بن رَزْنٍ، خرج تاجرًا، فلمّا توسَّطَ أرضَ خُزَاعة عَدَوْا عليه فقتلوه وأخذوا مالَه، فعَدَتْ بنو بكرٍ على رجلٍ من خُزَاعة فقتلوه، فعَدَتْ خُزَاعةُ قُبَيلَ الإسلام على بني الأسوَد بن رَزْنٍ الدِّيلِيِّ، وهم مَنخِرُ بني كِنانةَ وأشرافُهم: سَلْمى وكُلْثومٌ وذُؤَيبٌ، فقتلوهم بعَرَفة عند أَنصابِ الحَرَم. قال ابن إسحاق: وحدّثني رجلٌ من بني الدِّيل قال: كان بنو الأسوَد بن رَزْن يُودَوْنَ في الجاهليّة دِيَتَينِ دِيَتَينِ، ونُودَى دِيةً دِيةً، لفَضْلهم فينا. قال ابن إسحاق: فبَيْنا بنو بكرٍ وخُزَاعةُ على ذلك، حَجَزَ بينهم الإسلامُ وتشاغَلَ النّاسُ به، فلمّا كان صُلْحُ الحُدَيبيَة بين رسول الله ﷺ وبين قريشٍ، كان فيما شَرَطوا لرسول الله وشَرَطَ لهم - كما حدّثني الزُّهْريُّ، عن عُرْوة بن الزُّبَير، عن المِسوَر ابن مَخرَمةَ ومروانَ بن الحَكَمِ وغيرِهم من عُلمائنا -: أنّه من أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقْد رسول الله ﷺ وعَهدِه فليَدخُلْ فيه، ومن أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقْد قُريشٍ وعَهدِهم، فليَدخُلْ فيه، فدَخَلَت بنو بكرٍ في عَقْد قريشٍ، ودَخَلَت خُزَاعةُ في عَقْد رسولِ الله ﷺ. قال ابن إسحاق: فلمّا كانت الهُدْنةُ اغتَنَمَها بنو الدِّيلِ من بني بكرٍ من خُزَاعة، وأرادوا أن يُصيبوا منهم ثأْرًا بأُولئك النَّفَر الّذين أصابوا منهم؛ بني الأسوَد بن رَزْن، فخرج نَوفَلُ بن معاويةَ الدِّيلِيُّ في بني الدِّيل وهو يومَئذٍ قائدُهم، وليس كلُّ بني بكرٍ تابَعَه، حتّى بَيَّتَ خُزَاعةَ وهم على الوَتِيرِ، ماءٍ لهم، فأصابوا منهم رجلًا، وتَحاوَزُوا واقتَتَلوا، ورَفَدَت بني بكرٍ قُرَيشٌ بالسِّلاح، وقاتَلَ معهم من قريشٍ مَن قاتَلَ باللّيل مُستخفِيًا، حتّى حازُوا خُزَاعةَ إلى الحَرَم، فلمّا انتَهَوْا إليه قالت بنو بكرٍ: يا نوفلُ، إنّا قد دخلنا الحَرَمَ، إلهَكَ إلهَكَ، فقال كَلِمةً عظيمةً: لا إلهَ له اليومَ، يا بني بكرٍ أَصِيبوا ثأرَكم، فلَعَمْري إنّكم لتَسرِقون في الحَرَم، أفلا تُصِيبونَ ثأرَكم فيه. وقد أصابوا منهم ليلةَ بَيَّتُوهم بالوَتِيرِ رجلًا يقال له: مُنبِّهٌ، وكان مُنبِّهٌ رجلًا مَفْؤودًا، خرج هو ورجلٌ من قومه يقال له: تَمِيمُ بن أَسدٍ، فقال له مُنبِّهٌ: يا تميمُ، انجُ بنفسِك، فأمّا أنا فوالله إنّي لَميّتٌ قَتَلوني أو تَرَكوني، لقد انبَتَّ فُؤادي، وانطَلَقَ تميمٌ فأَفلَتَ، وأدرَكُوا منبِّهًا فقتلوه، فلمّا دَخَلَت خُزَاعةُ مكّةَ، لَجَؤُوا إلى دارِ بُدَيل بن وَرْقاءَ ودارِ مولًى لهم يقال له: رافعٌ... قال ابن إسحاق: فلمّا تَظاهَرَت بنو بكرٍ وقُرَيشٌ على خُزَاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونَقَضُوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهدِ والميثاقِ بما استَحَلُّوا من خُزَاعة، وكانوا في عَقْدِه وعهدِه، خرج عَمرُو بن سالمٍ الخُزاعيُّ ثمّ أحدُ بني كعبٍ حتّى قَدِمَ على رسول الله ﷺ المدينةَ، وكان ذلك ممّا هاجَ فتحَ مكّة... قال ابن إسحاق: فقال رسولُ الله ﷺ: «نُصِرتَ يا عَمْرَو بنَ سالمٍ». ثمّ عَرَضَ لرسول الله ﷺ عَنَانٌ من السماءِ، فقال: «إنَّ هذه السَّحَابةَ لتَستَهِلُّ بنَصْرِ بني كَعب».
السيرة النبوية لابن هشام — ج: 4 — ص: 33
الحكم المسجّل: صحيح