قال ابن إسحاق: حدّثني مَن لا أتّهمُ عن عطاءِ بن أبي رَباحٍ قال: سمعت رجلاً من أهل البَصْرةِ يَسألُ عبدَ الله بن عمر بن الخَطّاب عن إرسالِ العِمَامةِ من خلفِ الرَّجل إذا اعتَمَّ
قال: فقال عبدُ الله: سأُخبِرُك إن شاءَ الله عن ذلك بعِلْمٍ، كنتُ عاشرَ عَشَرةِ رَهْطٍ من أصحاب رسول الله ﷺ في مسجدِه: أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ وعبدُ الرَّحمن بن عَوفٍ وابنُ مسعودٍ ومعاذُ بن جَبَلٍ وحُذَيفةُ بن اليَمَان وأبو سعيدٍ الخُدْريُّ وأنا، مع رسول الله ﷺ، إذ أقبَلَ فتًى من الأنصار فسَلَّمَ على رسول الله ﷺ ثمّ جَلَسَ فقال: يا رسولَ الله، أيُّ المؤمنينَ أفضَلُ؟ فقال: «أحسَنُهم خُلُقًا» قال: فأيُّ المؤمنينَ أكيَسُ؟ قال: «أكثرُهم ذِكْرًا للموتِ، وأحسَنُهم استِعدادًا له قبلَ أن يَنزِلَ به، أُولئكَ الأَكياسُ»، ثمّ سَكَتَ الفتى.وأقبَلَ علينا رسولُ الله ﷺ فقال: «يا مَعشَرَ المهاجرينَ، خَمْسُ خِصَالٍ إذا نَزَلْنَ بكم، وأعُوذُ بالله أن تُدرِكُوهُنَّ:إنّه لم تَظهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قَطُّ حتَّى يُعلِنُوا بها، إلّا ظَهَرَ فيهم الطَّاعونُ والأَوجاعُ التي لم تكنْ في أسلافِهم الّذينَ مَضَوْا.ولم يَنقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ، إلّا أُخِذُوا بالسِّنِينَ وشِدَّةِ المَؤُؤنة وجَوْرِ السُّلطانِ.ولم يَمنَعُوا الزَّكاةَ من أموالِهم، إلّا مُنِعُوا القَطْرَ من السَّماءِ، فلولا البَهائمُ ما مُطِرُوا .وما نَقَضُوا عَهْدَ الله وعَهْدَ رسولِه، إلّا سُلِّطَ عليهم عدوٌّ من غيرِهم فأَخَذَ بعضَ ما كان في أَيدِيهم.وما لم يَحكُمْ أئِمَّتُهم بكتابِ الله وتَجَبَّروا فيما أنَزَلَ الله، إلّا جَعَلَ الله بأْسَهم بينَهم».ثمّ أمَرَ عبدَ الرَّحمن بن عَوفٍ أن يَتَجهَّزَ لسَريّةٍ بَعَثَه عليها، فأصبَحَ وقد اعتَمَّ بعِمَامةٍ من كَرابِيسَ سوداءَ، فأَدْناهُ رسولُ الله ﷺ منه، ثمّ نَقَضَها ثمّ عَمَّمَه بها، وأرسَلَ من خَلْفِه أربعَ أصابعَ أو نحوًا من ذلك، ثمّ قال: «هكذا يا ابنَ عَوفٍ فاعتَمَّ، فإنّه أحسَنُ وأعرَفُ».ثمّ أمَرَ بلالًا أن يدفَعَ إليه اللِّواءَ فدَفَعَه إليه، فحَمِدَ اللهَ وصَلَّى على نفسِه ﷺ، ثمّ قال: «خُذْه يا ابنَ عَوفٍ، اغْزُوا جميعًا في سَبيلِ الله، فقاتِلُوا مَن كَفَرَ بالله، لا تَغُلُّوا ولا تَغدِرُوا، ولا تُمثِّلُوا، ولا تَقتُلوا وَلِيداً، فهذا عَهْدُ الله وسِيرةُ نَبِيِّه فيكم». فأَخذَ عبدُ الرَّحمن بن عوفٍ اللِّواءَ.قال ابن هشام: فخرج إلى دُومَةِ الجَندَل.
وأخبرنا محمد بن عثمان بن محمد، قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا سعيد بن بحر القراطيسي، قال: حدثنا الوليد بن القاسم، قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة، حدثني عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ
قال: «إنَّ لي حَوضًا، طولُه ما بَينَ الكعبةِ إلى بَيتِ المَقدِس، أَبيضَ مِن اللَّبَن» - من حديث عيسى بن يونس -: «أَشدَّ بَياضًا من اللَّبَن، آنيتُه عددَ النُّجوم، فكلُّ نبيٍّ يَدعو أُمَّتَه، ولكلِّ نبيٍّ حوضٌ، فمِنهم مَن يأتيهِ الفِئامُ مِن النّاس، ومنهم مَن تأتيهِ العُصَب، ومنهم مَن يأتيهِ النّفَر، ومنهم مَن يأتيهِ الرَّجُلانِ والرَّجُل، ومنهم مَن لا يأتيهِ أَحد، فيُقال: قد بلَّغتَ، وإنِّي أَكثرُ الأنبياءِ تبَعًا يومَ القِيامة». لفظهما قريب.
شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي — رقم الحديث: 2118 — ج: 6 — ص: 1196
وشاوَرَهم رسولُ الله ﷺ، وكانَ رسولُ الله يُكثِرُ مُشاوَرَتَهم في الحرب، فقال: «أنَبْرُزُ لهم مِن المَدينةِ، أم نكونُ فيها ونُخَندِقُها علينا، أم نَكونُ قريبًا ونَجعلُ ظُهورَنا إلى هذا الجبل؟» فاختَلَفوا، فقالت طائفةٌ: نكونُ ممّا يَلي بُعاثٍ إلى ثَنيَّةِ الوَدَاع إلى الجرْف. فقال قائلٌ: نَدَعَ المَدينةَ خلُوفًا! فقال سَلمانُ: يا رَسولَ الله، إنّا إذ كنَّا بأرضِ فارِسَ وتخَوَّفْنا الخَيلَ خَنْدَقْنا علينا، فهل لكَ يا رَسولَ الله أن نُخَنْدِق؟ فأَعجَبَ رأيُ سَلمانَ المُسلمين، وذَكروا حينَ دَعاهُمُ النّبيُّ ﷺ يومَ أُحُدٍ أن يُقِيمُوا ولا يَخرُجوا، فكَرِهَ المُسلمونَ الخُروجَ وأَحبُّوا الثّباتَ في المَدينة.
حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن ابن عباس
قال: كان أُسَير رجلًا شجاعًا، فلمّا قُتِلَ أَبو رافعٍ أَمَّرَت اليهودُ أُسَير بن زارِم، فقام في اليهود فقال: إنّه واللهِ ما سارَ محمدٌ إلى أَحدٍ من اليهودِ إلّا بعثَ أَحدًا من أَصحابِه فأَصابَ منهم ما أَراد، ولكنِّي أَصنعُ ما لا يَصنعُ أَصحابي. فقالوا: وما عسَيتَ أن تَصنعَ ما لم يَصنَع أَصحابُك؟ قال: أَسِيرُ في غَطَفانَ فأَجمَعُهم. فسارَ في غَطَفانَ فجَمَعَها، ثم قال: يا مَعشرَ اليهود، نَسيرُ إلى محمّدٍ في عُقرِ دارِه؛ فإنّه لم يُغْزَ أَحدٌ في دارِه إلّا أَدرَكَ منه عدوُّه بعضَ ما يريد. قالوا: نِعْمَ ما رأيت.فبَلَغَ ذلك النّبيَّ ﷺ، قال: وقَدِمَ عليه خارجةُ بن حُسَيلٍ الأَشجَعيُّ، فاستَخبرَه رسولُ الله ﷺ ما وراءَه، فقال: تركتُ أُسيرَ بن زارمٍ يَسيرُ إليك في كتائبِ اليهود. قال ابنُ عبّاسٍ، رضي الله عنه: فنَدَبَ رسولُ الله ﷺ النّاسَ، فانتدَبَ له ثلاثونَ رَجلًا.قال عبدُ الله بنُ أُنيس: فكنتُ فيهم، فاستعمَلَ علينا رسولُ الله ﷺ عبدَ الله بنَ رَوَاحة. قال: فخرَجْنا حتى قدِمْنا خَيبرَ، فأَرسَلْنا إلى أُسير: إنّا آمِنونَ حتى نأتيَكَ فنَعرِضَ عليكَ ما جِئنا له؟ فقال: نعم، ولِي مِثلُ ذلك مِنكم؟ قلنا: نعم. فدَخَلنا عليه، فقُلنا: إنَّ رسولَ الله بعثَنا إليك أن تَخرُجَ إليه فيَستعمِلَكَ على خيبرَ ويُحسِنَ إليك. فطَمِعَ في ذلك، وشاوَرَ اليهودَ فخالَفُوه في الخُروج، وقالوا: ما كان محمدٌ يستعملُ رجلًا من بني إسرائيل. فقال: بلى، قد مَلَلْنا الحربَ. قال: فخرَجَ معه ثلاثونَ رجلًا من اليهود، مع كلِّ رجلٍ رَديفٌ من المسلِمين. قال: فسِرْنا، حتى إذا كنَّا بقَرقَرةِ ثِبار نَدِمَ أُسَير، حتى عرَفْنا النَّدامةَ فيه. قال عبدُ الله بن أُنيس: وأَهوَى بيَدِه إلى سَيفِي، ففَطِنتُ له، قال: فدَفعتُ بَعيرِي فقلت: غَدرًا أَي عدوَّ الله! ثم تَناوَمتُ فدَنوتُ منه لأَنظرَ ما يصنع، فتناوَلَ سَيفِي، فغَمزتُ بعيري وقلتُ: هل من رجلٍ يَنزلُ فيَسوقُ بنا؟ فلم يَنزل أَحد، فنزلتُ عن بَعيرِي فسُقتُ بالقوم حتى انفرَدَ أُسَير، فضَربتُه بالسَّيف فقَطعتُ مُؤخِّرة الرِّجْل، وأَندَرْتُ عامَّةَ فخِذِه وساقِه، وسقَطَ عن بعيرِه وفي يدِه مِخرَشٌ مِن شَوْحَط، فضَرَبني فشَجَّني مأمومةً، ومِلْنا على أَصحابِه فقَتلْناهم كلَّهم غيرَ رجلٍ واحدٍ أَعجَزَنا شَدًّا، ولم يُصَبْ مِن المُسلمينَ أَحد، ثم أَقبلْنا إلى رسولِ الله ﷺ.قال: فبَينا رسولُ الله ﷺ يحدِّثُ أَصحابه إذ قال لهم: «تمشَّوا بنا إلى الثَّنيّةِ نَتحسَّبُ من أَصحابنا خَبرًا»، فخرَجوا معه، فلمّا أَشرَفوا على الثَّنيّةِ فإذا هم بسَرَعانِ أَصحابنا، قال: فجلسَ رسولُ الله ﷺ في أَصحابه، قال: وانتَهينا إليه فحدَّثْناه الحديثَ، فقال: «نجَّاكُم اللهُ من القَوم الظالمين».قال عبدُ الله بن أُنيس: فدَنَوتُ إلى النّبيِّ ﷺ فنَفثَ في شَجَّتي، فلم تَقِحْ بعدَ ذلك اليومِ ولم تُؤْذِني، وقد كان العَظمُ فُلَّ، ومسَحَ على وجْهي ودَعا لي، وقَطعَ قِطعةً مِن عصاهُ فقال: «أَمسِكْ هذا معكَ علامةً بينِي وبينَك يومَ القِيامةِ أَعرِفكَ بها، فإنكَ تأتي يومَ القِيامةِ متَخصِّرًا. فلمَّا دُفِن جُعِلتْ معه تَلي جسَدَه دُون ثيابِه.
حدثنا أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن
قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ عمرَ، رضي الله عنه، في ثلاثينَ رجلًا إلى عَجُزِ هَوازِن بتُرْبة، فخرَجَ عمرُ، رضي الله عنه، ومعه دليلٌ مِن بني هِلال، فكانُوا يَسِيرونَ اللَّيلَ ويكمُنونَ النَّهار. وأَتَى الخَبرُ هَوازِنَ فهَرَبوا، وجاءَ عمرُ مَحالَّهم فلم يَلْقَ مِنهم أَحدًا. وانصَرفَ راجعًا إلى المَدينةِ، حتى سَلَكَ النَّجْديَّةَ، فلمّا كان بالجَدْرِ قال الهِلاليُّ لِعُمرَ بنِ الخطّاب، رضي الله عنه: هل لكَ في جَمْعٍ آخَرَ تَركْتُه مِن خَثْعمَ، جاؤوا سائِرينَ قد أَجدَبَتْ بلادُهم؟ فقال عمر: لم يأمُرْني رسولُ الله ﷺ بهم، إنَّما أَمرَني أَصمَد لقِتالِ هَوازنَ بتُرْبة. فانصرَفَ عمرُ راجعًا إلى المَدينة.
قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ بَشِير بنَ سعدٍ في ثلاثينَ رجُلًا إلى بَني مُرَّةَ بفَدَك. فخرَجَ فلَقِي رِعاءَ الشَّاء، فسأل: أَينَ الناس؟ فقالوا: هم في بَوادِيهِم.والنّاسُ يومَئذٍ شاتُونَ لا يَحضُرون الماء، فاستاقَ النَّعمَ والشَّاءَ، وعادَ مُنحدِرًا إلى المدينة. فخرَجَ الصَّريخُ فأَخبرَهم، فأَدرَكَه الدّهْمُ منهم عندَ اللَّيل، فباتُوا يُرامُونَهم بالنَّبل، حتى فَنِيَتْ نَبْلُ أَصحابِ بَشِير، وأَصبَحوا، وحَمَلَ المُرِّيونَ عليهم فأَصابوا أَصحابَ بَشِير، ووَلَّى مِنهم مَن وَلَّى، وقاتَلَ بَشيرٌ قتالًا شديدًا حتى ضُرِبَ كَعبُه، وقيل: قد مات. ورَجَعوا بنَعَمِهم وشائِهم.وكان أَوَّلَ مَن قَدِمَ بخَبرِ السَّريّةِ ومُصابِها عُلْبةُ بنُ زيدٍ الحارثيُّ. وأَمهَلَ بَشِيرُ بنُ سعدٍ وهو في القَتلى، فلمَّا أَمسَى تَحامَلَ حتى انتهى إلى فَدَك، فأَقام عندَ يهوديٍّ بفَدَك أيامًا حتى ارتفَعَ مِن الجِراح، ثم رجعَ إلى المَدينة.وهيَّأَ رسولُ الله ﷺ الزُّبيرَ بنَ العوَّام فقال: «سِرْ حتى تَنتهيَ إلى مُصَابِ أَصحابِ بَشِير، فإن ظفَّرَكَ اللهُ بهم فلا تَبْقَ فيهم».وهيّأَ معه مِئتَي رجلٍ، وعَقَدَ له اللِّواء، فقَدِمَ غالبُ بنُ عبدِ الله من سَرِيّةٍ قد ظَفِرَ اللهُ عليهم، فقال رسولُ الله ﷺ للزُّبير بنِ العوَّام: «اجلِس».وبَعثَ غالبَ بنَ عبدِ الله في مِئتَي رجلٍ، فخرَجَ أُسامةُ بنُ زيدٍ في السَّرِيّة، حتى انتهَى إلى مُصابِ بَشِيرٍ وأَصحابِه، وخرَجَ معَه عُلْبةُ بنُ زَيد.
حدثني أفلح بن سعيد، عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد
قال: كان مع غالبٍ عُقبةُ بنُ عَمرٍو أَبو مسعود، وكعبُ بنُ عُجْرة، وأُسامةُ بن زيد، وعُلْبةُ بن زَيد، فلمَّا دنا غالبٌ منهم بعثَ الطلائع، فبَعثَ عُلبةَ بنَ زيدٍ في عشَرَةٍ ينظرُ إلى جماعةِ مَحالِّهم، حتى أَوفَى على جماعةٍ منهم، ثم رَجعَ إلى غالبٍ فأَخبرَه. فأَقبل غالبٌ يسيرُ، حتى إذا كان منهم بمَنظَرِ العَين ليلًا، وقد اجتَلَبوا وعطَنوا وهدؤوا، قام فحمِدَ الله وأَثنى عليه بما هو أَهلُه، ثم قال: أمّا بعد، فإنِّي أَوصِيكُم بتقوى اللهِ وحدَه لا شَريكَ له، وأَن تُطِيعوني ولا تَعصُوني ولا تُخالِفُوا لي أَمرًا، فإنّه لا رأيَ لِمَن لا يُطاع. ثم ألَّفَ بينَهم فقال: يا فلانُ، أَنتَ وفلان، يا فلانُ، أَنتَ وفلان، لا يُفارقُ كلُّ رجلٍ زَميلَه، وإيّاكُم أن يَرجِعَ إليَّ أَحدُكم فأقول: أَينَ فلانُ صاحبُك؟ فيقول: لا أَدري، وإذا كبَّرتُ فكبِّروا. قال: فكبَّر وكبَّروا، وأَخرَجوا السُّيوف. قال: فأَحَطْنا بالحاضِر، وفي الحاضِرِ نَعَم، وقد عَطَنوا مَواشِيَهم، فخرَجَ إلينا الرِّجالُ فقاتَلوا ساعةً، فوَضَعنا السُّيوفَ حيثُ شِئنا مِنهم ونحن نصيحُ بشِعارِنا: أَمِتْ! أَمِتْ! وخرَجَ أُسامةُ بنُ زيدٍ في إثرِ رجلٍ منهم يقالُ له: نَهيكُ بنُ مِرْداس، فأَبعَدَ، وحَوَينا على الحاضِر، وقَتَلْنا مَن قتَلْنا، ومعَنا النِّساءُ والماشِية، فقال أَميرُنا: أَين أُسامةُ بن زيد؟ فجاءَ بعد ساعةٍ من اللَّيل، فلامَهُ أَميرُنا لائمةً شديدةً، وقال: أَلم تَرَ إلى ما عَهِدتُ إليك؟ فقال: إنِّي خرَجتُ في إثرِ رجلٍ جعلَ يتهكَّمُ بي، حتى إذا دَنَوتُ ولَحِمتُه بالسَّيف قال: لا إلهَ إلّا الله! فقال أَميرُنا: أَغمَدْتَ سَيفَك؟ قال: لا، والله ما فعَلتُ حتى أَوردتُه شَعوب. قال: قلنا: واللهِ بئسَ ما فعلتَ وما جِئتَ به، تَقتلُ امرَءًا يقولُ لا إلهَ إلّا الله! فنَدِمَ وسُقِطَ في يدَيه. قال: واستَقْنا النَّعَم والشّاءَ والذُّرِّيّة، وكانت سِهامُهم عشَرةَ أَبعرةٍ كلّ رجلٍ، أو عِدْلَها مِن الغَنَم.وكان يُحسَبُ الجَزورُ بعشَرَةٍ مِن الغَنَم.
قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ كعبَ بنَ عُميرٍ الغِفاريَّ في خمسَةَ عشَرَ رجلًا، حتى انتَهَوا إلى ذاتِ أَطلاحٍ من أَرض الشّام، فوَجَدوا جَمعًا مِن جَمعِهم كثيرًا، فدَعَوهم إلى الإسلام فلم يَستجيبُوا لهم، ورَشَقُوهم بالنَّبْل. فلمَّا رأى ذلك أَصحابُ النّبيِّ ﷺ قاتَلَوهم أَشدَّ القِتال حتى قُتِلوا، فأَفلَتَ مِنهم رجلٌ جَريحٌ في القَتلى، فلمَّا برَدَ عليه اللَّيلُ تَحامَلَ حتى أتَى رسولَ الله ﷺ، فأَخبَرَه الخَبَر، فشَقَّ ذلك على رسولِ الله ﷺ وهَمَّ بالبَعثِ إليهم، فبَلَغَه أنَّهم قد سارُوا إلى مَوضعٍ آخرَ فترَكَهم.
قُرئ على أَبي القاسم بن أبي حية، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن شجاع، قال: حدثنا الواقدي، قال: حدثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد، وعبد الله بن جعفر الزهري، ومحمد بن يحيى، وابن أبي حبيبة، وربيعة بن عثمان، وعبد الرحمن بن عبد العزيز بن أبي قتادة، وعبد الله بن عبد الرحمن الجمحي، وعمر بن سليمان بن أبي حثمة، وموسى بن محمد بن إبراهيم، وعبد الحميد بن جعفر، وأبو معشر، ويعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، وابن أبي سبرة، وأيوب بن النعمان، فكلٌّ قد حدثني بطائفة من حديث تبوك، وبعضهم أوعى له من بعض، وغير هؤلاء قد حدثني ممن لم أُسَمِّ، ثقات، وقد كتبتُ كلَّ ما قد حدَّثوني.
قالوا: كانت السّاقطةُ - وهم الأنباط - يَقدَمونَ المدينةَ بالدَّرْمكِ والزَّيت في الجاهلية، وبعد أَن دخلَ الإسلام، فإنَّما كانت أَخبار الشام عند المسلمينَ كلَّ يوم، لكثرةِ مَن يَقدَمُ عليهم من الأنباط، فقَدِمَتْ قادمةٌ فذَكروا أن الرُّوم قد جمَعتْ جموعًا كثيرةً بالشام، وأنَّ هِرَقْل قد رَزَقَ أَصحابَه لِسَنَة، وأَجلَبَتْ معه لَخْمٌ، وجُذامُ، وغَسَّانُ، وعامِلَةُ. وزَحَفوا وقدَّموا مقدِّماتهم إلى البلقاء وعَسكَروا بها، وتخلَّف هِرَقلُ بحِمص. ولم يكن ذلك، إنَّما ذلك شيءٌ قيلَ لهم فقالوه. ولم يكن عدوٌّ أَخوفَ عندَ المسلمينَ منهم، وذلك لِمَا عاينُوا منهم - إذ كانوا يَقدَمونَ عليهم تُجّارًا - من العَددِ والعُدَّة والكُراع. وكان رسولُ الله ﷺ لا يَغزُو غزوةً إلّا ورَّى بغَيرِها، لئلَّا تَذهبَ الأَخبار بأنه يريدُ كذا وكذا، حتى كانت غزوةُ تبوك، فغَزَاها رسولُ الله ﷺ في حَرٍّ شديد، واستَقبلَ سَفَرًا بعيدًا، واستَقبلَ غُزّى وعددًا كثيرًا، فجلَّى للناس أَمرهَم لِيتأهَّبوا لذلك أُهْبةَ غزْوِهم، وأَخبَرَ بالوَجهِ الذي يريد. وبعثَ رسولُ الله ﷺ إلى القبائلِ وإلى مكّةَ يَستنفِرُهم إلى غَزوِهم... إلى آخر قصة غزو تبوك.
أخبرنا عبد الوهاب بن أحمد، وعبد الرحمن بن عمر، قالا: حدثنا أحمد بن محمد بن الأعرابي، قال: حدثنا عيسى بن أبي حرب، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، مولى آل طلحة
قال: كنتُ مع إبراهيمَ بنِ محمدٍ في طريقِ مكَّة، فرأَى رجلًا على رَحْلِه مِن هذا الخَزِّ الموَشَّى له هَيئةٌ، فقال: سمِعتُ أَبا هريرةَ يقول: واللهِ ليُخْسَفَنَّ – أو: لا تقومُ الساعةُ حتى يُخسَفَ - بقومِ ذَوي زِيٍّ، ببَيداءَ مِن الأَرض.
السنن الواردة في الفتن — رقم الحديث: 346 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 348 — ج: 3 — ص: 715
أخبرنا مجاهد بن موسى، ثنا معن بن عيسى، ثنا معاوية بن صالح، عن أبي فروة، عن ابن عباس
أنّه سألَ كعبَ الأَحبار: كيف تَجدُ نَعتَ رسولِ الله ﷺ في التَّوراة؟ فقالَ كَعب: نَجِدُه: محمَّدَ بنَ عبد الله، يُولَدُ بمَكّة، ويُهاجِر إلى طابَةَ، ويكونُ مُلكُه بالشَّام، وليس بفَحّاشٍ ولا صَخّابٍ في الأسواق، ولا يُكافِئُ بالسَّيِّئة السيِّئةَ، ولكنْ يَعفُو ويَغفِر، أُمَّتُه الحَمَّادُون، يَحمَدون اللهَ في كلِّ سَرّاءَ وضَرَّاء، ويُكبِّرونَ اللهَ على كل نَجْدٍ، يُوضِّؤُونَ أَطرافَهم، ويَأتَزِرونَ في أَوساطِهم، يصُفُّون في صَلاتِهم كما يَصُفُّون في قتالهم، دَوِيُّهم في مَساجدِهم كدَوِيِّ النَّحْل، يُستَمَعُ مناديهِم في جوِّ السَّماء.
سنن الدارمي - تحقيق حسين سليم أسد — رقم الحديث: 8 — الرقم الفرعي: 99 — الرقم الأصلي: 8 — ج: 1 — ص: 158