وشاوَرَهم رسولُ الله ﷺ، وكانَ رسولُ الله يُكثِرُ مُشاوَرَتَهم في الحرب، فقال: «أنَبْرُزُ لهم مِن المَدينةِ، أم نكونُ فيها ونُخَندِقُها علينا، أم نَكونُ قريبًا ونَجعلُ ظُهورَنا إلى هذا الجبل؟» فاختَلَفوا، فقالت طائفةٌ: نكونُ ممّا يَلي بُعاثٍ إلى ثَنيَّةِ الوَدَاع إلى الجرْف. فقال قائلٌ: نَدَعَ المَدينةَ خلُوفًا! فقال سَلمانُ: يا رَسولَ الله، إنّا إذ كنَّا بأرضِ فارِسَ وتخَوَّفْنا الخَيلَ خَنْدَقْنا علينا، فهل لكَ يا رَسولَ الله أن نُخَنْدِق؟ فأَعجَبَ رأيُ سَلمانَ المُسلمين، وذَكروا حينَ دَعاهُمُ النّبيُّ ﷺ يومَ أُحُدٍ أن يُقِيمُوا ولا يَخرُجوا، فكَرِهَ المُسلمونَ الخُروجَ وأَحبُّوا الثّباتَ في المَدينة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: فحدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثت عن رجال من بني سلمة
أنهم ذَكَروا أنَّ الحُبابَ بنَ المُنذِر بنِ الجَموح، قال: يا رسولَ الله، أرأيتَ هذا المَنزلَ، أمَنزِلٌ أنزَلَكَهُ اللهُ ليس لنا أن نَتقدَّمَه ولا نَتأخَّرَه، أم هو الرّأيُ والحربُ والمَكِيدة؟ قال: «بل هو الرّأيُ والحربُ والمَكِيدة»، فقال: يا رسولَ الله، فإنَّ هذا ليس لك بمَنزِل، فانهضْ بالناسِ حتى نأتيَ أدنَى ماءٍ من القوم فنَنزِلَه، ثم نُعوِّر ما سِواهُ من القُلُب، ثم نَبنِى عليه حوضًا فنَملؤُه ماءً، ثم نُقاتِلُ القومَ فنَشرَبُ ولا يَشرَبون. فقالَ رسولُ الله ﷺ: «لقد أشَرتَ بالرّأي»، فنَهضَ رسولُ الله ﷺ ومَن معهُ مِن الناس، فسارَ حتى أتَى أدنَى ماءٍ مِن القوم، فنَزَلَ عليه، ثم أَمَرَ بالقُلُبِ فعُوِّرتْ، وبنَى حوضًا على القَلِيبِ الذي نَزَلَ عليه فمُلِئ ماءً، ثم قَذَفوا فيه الآنية.