قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ بَشِير بنَ سعدٍ في ثلاثينَ رجُلًا إلى بَني مُرَّةَ بفَدَك. فخرَجَ فلَقِي رِعاءَ الشَّاء، فسأل: أَينَ الناس؟ فقالوا: هم في بَوادِيهِم.والنّاسُ يومَئذٍ شاتُونَ لا يَحضُرون الماء، فاستاقَ النَّعمَ والشَّاءَ، وعادَ مُنحدِرًا إلى المدينة. فخرَجَ الصَّريخُ فأَخبرَهم، فأَدرَكَه الدّهْمُ منهم عندَ اللَّيل، فباتُوا يُرامُونَهم بالنَّبل، حتى فَنِيَتْ نَبْلُ أَصحابِ بَشِير، وأَصبَحوا، وحَمَلَ المُرِّيونَ عليهم فأَصابوا أَصحابَ بَشِير، ووَلَّى مِنهم مَن وَلَّى، وقاتَلَ بَشيرٌ قتالًا شديدًا حتى ضُرِبَ كَعبُه، وقيل: قد مات. ورَجَعوا بنَعَمِهم وشائِهم.وكان أَوَّلَ مَن قَدِمَ بخَبرِ السَّريّةِ ومُصابِها عُلْبةُ بنُ زيدٍ الحارثيُّ. وأَمهَلَ بَشِيرُ بنُ سعدٍ وهو في القَتلى، فلمَّا أَمسَى تَحامَلَ حتى انتهى إلى فَدَك، فأَقام عندَ يهوديٍّ بفَدَك أيامًا حتى ارتفَعَ مِن الجِراح، ثم رجعَ إلى المَدينة.وهيَّأَ رسولُ الله ﷺ الزُّبيرَ بنَ العوَّام فقال: «سِرْ حتى تَنتهيَ إلى مُصَابِ أَصحابِ بَشِير، فإن ظفَّرَكَ اللهُ بهم فلا تَبْقَ فيهم».وهيّأَ معه مِئتَي رجلٍ، وعَقَدَ له اللِّواء، فقَدِمَ غالبُ بنُ عبدِ الله من سَرِيّةٍ قد ظَفِرَ اللهُ عليهم، فقال رسولُ الله ﷺ للزُّبير بنِ العوَّام: «اجلِس».وبَعثَ غالبَ بنَ عبدِ الله في مِئتَي رجلٍ، فخرَجَ أُسامةُ بنُ زيدٍ في السَّرِيّة، حتى انتهَى إلى مُصابِ بَشِيرٍ وأَصحابِه، وخرَجَ معَه عُلْبةُ بنُ زَيد.
حدثني أفلح بن سعيد، عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد
قال: كان مع غالبٍ عُقبةُ بنُ عَمرٍو أَبو مسعود، وكعبُ بنُ عُجْرة، وأُسامةُ بن زيد، وعُلْبةُ بن زَيد، فلمَّا دنا غالبٌ منهم بعثَ الطلائع، فبَعثَ عُلبةَ بنَ زيدٍ في عشَرَةٍ ينظرُ إلى جماعةِ مَحالِّهم، حتى أَوفَى على جماعةٍ منهم، ثم رَجعَ إلى غالبٍ فأَخبرَه. فأَقبل غالبٌ يسيرُ، حتى إذا كان منهم بمَنظَرِ العَين ليلًا، وقد اجتَلَبوا وعطَنوا وهدؤوا، قام فحمِدَ الله وأَثنى عليه بما هو أَهلُه، ثم قال: أمّا بعد، فإنِّي أَوصِيكُم بتقوى اللهِ وحدَه لا شَريكَ له، وأَن تُطِيعوني ولا تَعصُوني ولا تُخالِفُوا لي أَمرًا، فإنّه لا رأيَ لِمَن لا يُطاع. ثم ألَّفَ بينَهم فقال: يا فلانُ، أَنتَ وفلان، يا فلانُ، أَنتَ وفلان، لا يُفارقُ كلُّ رجلٍ زَميلَه، وإيّاكُم أن يَرجِعَ إليَّ أَحدُكم فأقول: أَينَ فلانُ صاحبُك؟ فيقول: لا أَدري، وإذا كبَّرتُ فكبِّروا. قال: فكبَّر وكبَّروا، وأَخرَجوا السُّيوف. قال: فأَحَطْنا بالحاضِر، وفي الحاضِرِ نَعَم، وقد عَطَنوا مَواشِيَهم، فخرَجَ إلينا الرِّجالُ فقاتَلوا ساعةً، فوَضَعنا السُّيوفَ حيثُ شِئنا مِنهم ونحن نصيحُ بشِعارِنا: أَمِتْ! أَمِتْ! وخرَجَ أُسامةُ بنُ زيدٍ في إثرِ رجلٍ منهم يقالُ له: نَهيكُ بنُ مِرْداس، فأَبعَدَ، وحَوَينا على الحاضِر، وقَتَلْنا مَن قتَلْنا، ومعَنا النِّساءُ والماشِية، فقال أَميرُنا: أَين أُسامةُ بن زيد؟ فجاءَ بعد ساعةٍ من اللَّيل، فلامَهُ أَميرُنا لائمةً شديدةً، وقال: أَلم تَرَ إلى ما عَهِدتُ إليك؟ فقال: إنِّي خرَجتُ في إثرِ رجلٍ جعلَ يتهكَّمُ بي، حتى إذا دَنَوتُ ولَحِمتُه بالسَّيف قال: لا إلهَ إلّا الله! فقال أَميرُنا: أَغمَدْتَ سَيفَك؟ قال: لا، والله ما فعَلتُ حتى أَوردتُه شَعوب. قال: قلنا: واللهِ بئسَ ما فعلتَ وما جِئتَ به، تَقتلُ امرَءًا يقولُ لا إلهَ إلّا الله! فنَدِمَ وسُقِطَ في يدَيه. قال: واستَقْنا النَّعَم والشّاءَ والذُّرِّيّة، وكانت سِهامُهم عشَرةَ أَبعرةٍ كلّ رجلٍ، أو عِدْلَها مِن الغَنَم.وكان يُحسَبُ الجَزورُ بعشَرَةٍ مِن الغَنَم.