قال ابن إسحاق: فحدّثني يزيدُ بن زياد، عن محمّد بن كعبٍ القُرَظيِّ
قال: لمّا اجتَمَعوا له وفيهم أبو جهل بن هشام، فقال وهم على بابه: إنّ محمدًا يَزعُم أنَّكم إن تابعتموه على أمرِه، كنتم ملوكَ العرب والعَجَم، ثمّ بُعِثتُم من بعد موتكم فجُعِلَت لكم جِنانٌ كجِنانِ الأُردُنِّ، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبحٌ، ثمّ بُعِثتُم من بعد موتكم، ثمّ جُعِلَت لكم نار تُحرَقُون فيها.قال: وخرج عليهم رسولُ الله ﷺ، فأَخذ حَفْنةً من تراب في يده ثمّ قال: «نعم، أنا أقولُ ذلك، أنت أَحدُهم»، وأَخذ اللهُ تعالى على أبصارهم عنه فلا يَرَونَه، فجعل يَنثُرُ ذلك التُّراب على رؤوسهم وهو يَتلُو هؤلاءِ الآياتِ من (ياس): ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 1-9]، حتّى فَرَغَ رسولُ الله ﷺ من هؤلاءِ الآيات، ولم يَبْقَ منهم رجل إلّا وقد وَضَعَ على رأسه ترابًا، ثمّ انصَرَفَ إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آتٍ ممّن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمّدًا، قال: خَيَّبَكم اللهُ! قد واللهِ خرج عليكم محمّدٌ، ثمّ ما ترك منكم رجلًا إلّا وقد وَضَعَ على رأسه ترابًا، وانطَلَقَ لحاجتِه، أفما تَرَونَ ما بكم؟! قال: فوَضَعَ كلُّ رجل منهم يدَه على رأسه، فإذا عليه تراب، ثمّ جعلوا يَتطلَّعون فيَرَونَ عليًّا على الفِراش متسجِّيًا ببُرْدِ رسول الله ﷺ، فيقولون: واللهِ إنَّ هذا لمحمّدٌ نائمًا، عليه بُرْدُه، فلم يَبْرَحُوا كذلك حتّى أصبَحُوا، فقام عليٌّ عن الفراش فقالوا: واللهِ لقد كان صَدَقَنا الّذي حدَّثَنا.
قال ابن إسحاق: فحدّثني محمّدُ بن مُسلِم الزُّهْريُّ وعاصمُ بن عمر بن قَتَادة وعبدُ الله بن أبي بكرٍ ويزيدُ بن رُومانَ عن عُرْوة بن الزُّبير، وغيرُهم من علمائنا عن ابن عبّاسٍ
كلٌّ قد حدّثني بعضَ الحديث، فاجتَمَع حديثُهم فيما سقتُ من حديث بدرٍ، قالوا: لمّا سَمِعَ رسولُ الله ﷺ بأبي سفيان مُقبِلًا من الشّام، نَدَبَ المسلمين إليهم وقال: «هذِه عِيرُ قُريشٍ فيها أموالُهم، فاخرُجوا إليها لعلَّ اللهَ يُنفِّلُكُموها»، فانتَدَبَ الناسُ، فخَفَّ بعضُهم وثَقُلَ بعضُهم، وذلك أنّهم لم يَظنُّوا أنّ رسول الله ﷺ يَلقَى حربًا، وكان أبو سفيان حين دَنَا من الحجاز يَتحسَّس الأخبارَ ويَسأَل من لقيَ من الرُّكْبان تخوُّفًا عن أمر النّاس، حتّى أصاب خبرًا من بعض الرُّكْبان: أنَّ محمّدًا قد استَنفَرَ أصحابَه لك ولعِيرِك، فحَذِرَ عند ذلك، فاستأجَرَ ضَمضَمَ بن عمرٍو الغِفاريَّ فبَعَثَه إلى مكّة، وأمَرَه أن يأتيَ قريشًا فيَستنفِرَهم إلى أموالهم، ويُخبِرَهم أنَّ محمّدًا قد عَرَضَ لها في أصحابه، فخرج ضمضمُ بن عمرٍو سريعًا إلى مكّة.
قال ابن إسحاق: وحدّثني يزيدُ بن رُومانَ، عن عُرْوة بن الزُّبير
قال: لمّا أجمَعَت قريشٌ المسيرَ، ذَكَرَت الّذي كان بينها وبين بني بكرٍ، فكاد ذلك يُثنِيهم، فتَبدَّى لهم إبليسُ في صورة سُرَاقةَ بن مالك بن جُعشُمٍ المُدلِجيِّ، وكان من أشراف بني كِنانةَ، فقال: أنا لكم جارٌ من أن تأتيَكم كِنانةُ من خلفِكم بشيءٍ تَكرَهُونه، فخرجوا سِراعًا.
قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر أنّه حُدِّثَ
أنَّ سعد بن معاذٍ قال: يا نبيَّ الله، نَبْني لك عَريشًا تكونُ فيه، ونُعِدُّ عندك ركائبَك، ثمّ نلقى عدوَّنا، فإن أعزَّنا الله وأظهَرَنا على عدوِّنا، كان ذلك ما أحبَبْنا، وإن كانت الأُخرى، جلستَ على ركائبِك فلَحِقتَ بمن وراءَنا من قومِنا، فقد تَخلَّف عنك أقوامٌ يا نبيَّ الله ما نحن بأشدَّ لك حبًّا منهم، ولو ظنُّوا أنّك تلقى حربًا ما تَخلَّفوا عنك، يَمنعُك الله بهم، يُناصِحُونك ويجاهدون معك، فأَثنى عليه رسولُ الله ﷺ خيرًا ودعا له بخير.ثمّ بُنيَ لرسول الله ﷺ عَريشٌ فكان فيه.
قال ابن إسحاق: حدّثني يحيى بن عَبّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه. قال: وحدَّثَنيهِ أيضًا عبدُ الله بن أبي بكرٍ وغيرُهما، عن عبد الرَّحمن بن عوفٍ
قال: كان أُميّةُ بن خَلَفٍ لي صديقًا بمكّة، وكان اسمي عبدَ عمرٍو، فتسمَّيتُ حين أسلمتُ عبدَ الرَّحمن ونحن بمكّة، فكان يلقاني إذ نحن بمكّة فيقول: يا عبدَ عمرو، أرَغِبتَ عن اسمٍ سمَّاكَه أبواك؟ قال: فأقول: نعم، فيقول: فإنّي لا أعرفُ الرَّحمنَ، فاجعَلْ بيني وبينَك شيئًا أَدعُوك به، أمّا أنت فلا تجيبُني باسمِك الأوّل، وأمّا أنا فلا أَدعُوك بما لا أعرف، قال: فكان إذا دعاني: يا عبدَ عمرو، لم أُجِبْه، قال: فقلتُ له: يا أبا عليّ، اجعَلْ ما شئتَ، قال: فأنت عبدُ الإله، قال: قلت: نعم، قال: فكنتُ إذا مَرَرتُ به قال: يا عبدَ الإله، فأُجِيبُه فأتحدَّثُ معه.حتّى إذا كان يومُ بدرٍ مَرَرتُ به وهو واقفٌ مع ابنه عليِّ بن أُميّة آخذٌ بيدِه، قال: ومعي أدراعٌ قد استَلَبتُها، فأنا أحمِلُها، فلمّا رآني قال: يا عبدَ عمرو، فلم أُجِبْه، فقال: يا عبدَ الإله، قال: فقلت: نعم، قال: هل لك فِيَّ، فأنا خيرٌ لك من هذه الأدراعِ التي معك، قال: قلت: نعم، ها اللهِ ذا، قال: فطَرَحتُ الأدراعَ من يدي وأخذتُ بيدِه ويدِ ابنه، وهو يقول: ما رأيتُ كاليوم قطُّ، أمَا لكم حاجةٌ في اللَّبَن؟ ثمّ خرجتُ أَمشي بهما.قال ابن هشام: أراد باللَّبَن: أنَّ مَن أسَرَني افتَدَيتُ منه بإبلٍ كثيرةِ اللَّبن.
قال ابن إسحاق: حدّثني محمّد بن جعفر بن الزُّبير، عن عُرْوة بن الزُّبير
قال: فذُكِر أصحابُ القَلِيب ومُصابُهم، فقال صفوان: واللهِ إنْ في العيش بعدهم خيرٌ، فقال له عُمَير: صَدَقتَ والله، أمَ واللهِ لولا دَينٌ عليَّ ليس له عندي قَضاءٌ، وعِيالٌ أخشى عليهم الضَّيْعةَ بعدي، لرَكِبتُ إلى محمّدٍ حتّى أقتلَه، فإنّ لي قِبَلَهم علّةً؛ ابني أَسيرٌ في أيديهم، قال: فاغتَنَمَها صفوانُ فقال: عليَّ دَينُك، أنا أَقضِيهِ عنك، وعِيالُك مع عِيالي أُواسِيهم ما بَقُوا، لا يَسَعُني شيءٌ ويَعجِزُ عنهم، فقال له عُمير: فاكتُمْ عنّي شأْني وشأْنَك، قال: أفعَلُ.قال: ثمّ أَمَرَ عُميرٌ بسيفه فشُحِذَ له وسُمَّ، ثمّ انطَلَق حتّى قَدِمَ المدينة، فبَيْنا عمرُ ابن الخَطّاب في نفرٍ من المسلمين يتحدَّثون عن يوم بدر، ويَذكُرون ما أكرَمَهم الله به وما أَراهم به من عدوِّهم، إذ نَظَرَ عمرُ إلى عُميرِ بن وهبٍ حين أناخَ على باب المسجد متوشِّحًا السيفَ، فقال: هذا الكلبُ عدوُّ الله عميرُ بن وهب، ما جاء إلّا لشرٍّ، وهو الّذي حرَّش بيننا، وحَزَرَنا للقوم يومَ بدر.ثمّ دخل عمرُ على رسول الله ﷺ فقال: يا نبيَّ الله، هذا عدوُّ الله عميرُ بن وهبٍ قد جاء متوشِّحًا سيفَه، قال: «فأَدخِلْه عليَّ» قال: فأقبَلَ عمرُ حتّى أخَذَ بحِمَالةِ سيفه في عُنقِه فلَبَّبَه بها، وقال لرجال ممَّن كانوا معه من الأنصار: ادخُلُوا على رسول الله فاجلِسُوا عنده، واحذَرُوا عليه من هذا الخبيث، فإنّه غيرُ مأمون، ثمّ دخل به على رسول الله ﷺ، فلمّا رآه رسولُ الله ﷺ وعمرُ آخذٌ بحِمَالةِ سيفه في عُنقِه قال: «أَرسِلْه يا عمرُ، ادْنُ يا عُمَيرُ»، فدَنَا ثمّ قال: انعَمُوا صباحًا؛ وكانت تحيّةَ أهل الجاهليّة بينهم، فقال رسول الله ﷺ: «قد أَكرَمَنا اللهُ بتَحيَّةٍ خيرٍ من تَحيَّتِكَ يا عُمَيرُ، بالسَّلامِ، تَحيَّةِ أهلِ الجَنَّة» قال: أمَ واللهِ يا محمّدُ إن كنتَ بها لحديثَ عهدٍ، قال: «فما جاءَ بك يا عُمَيرُ؟» قال: جئتُ لهذا الأسيرِ الّذي في أيديكم، فأَحسِنوا فيه، قال: «فما بالُ السَّيفِ في عُنقِك؟» قال: قَبَحَها اللهُ من سيوف، وهل أغنَتْ شيئًا، قال: «اصدُقْني، ما الَّذي جئتَ له؟» قال: ما جئتُ إلّا لذلك، قال: «بَلَى، قَعَدتَ أنت وصَفْوانُ بن أُميَّةَ في الحِجْرِ، فذَكَرتُما أصحابَ القَلِيبِ من قُريشٍ، ثمَّ قلتَ: لولا دَينٌ عليَّ وعِيالٌ عندي، لخَرَجتُ حتَّى أقتُلَ محمَّدًا، فتَحمَّلَ لك صَفْوانُ بدَينِكَ وعِيالِكَ على أنْ تَقتُلَني له، واللهُ حائلٌ بينَك وبينَ ذلك» قال عُمَير: أشهَدُ أنّك رسولُ الله، قد كنَّا يا رسولَ الله نكذِّبُك بما كنتَ تأتينا به من خبر السّماءِ وما يَنزِلُ عليك من الوَحْي، وهذا أمرٌ لم يَحضُرْه إلّا أنا وصفوانُ، فوالله إنّي لأعلمُ ما أتاك به إلّا اللهُ، فالحمدُ لله الّذي هَدَاني للإسلام وساقَني هذا المَساقَ، ثمَّ شَهِدَ شهادةَ الحقِّ، فقال رسول الله ﷺ: «فَقِّهُوا أَخاكم في دِينِه، وأَقرِئُوه القرآنَ، وأَطلِقُوا له أَسِيرَه»، ففَعَلوا.ثمّ قال: يا رسول الله، إنّي كنتُ جاهدًا على إطفاءِ نورِ الله، شديدُ الأذى لمن كان على دينِ الله، وأنا أحبُّ أن تأذَنَ لي فأَقدَمَ مكّةَ فأدعُوَهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، لعلَّ اللهَ يَهدِيهم، وإلّا آذيتُهم في دينهم كما كنتُ أُوذي أصحابَك في دينهم، قال: فأَذِنَ له رسولُ الله ﷺ، فلَحِقَ بمكّة.وكان صفوانُ حين خرج عميرُ بن وهبٍ يقول: أَبشِروا بوَقْعةٍ تأتيكم الآنَ في أيّامٍ تُنسِيكم وقعةَ بدر، وكان صفوانُ يَسأَل عنه الرُّكْبانَ، حتّى قَدِمَ راكبٌ فأخبره عن إسلامه، فحَلَفَ لا يكلِّمُه أبدًا، ولا يَنفَعُه بنفعٍ أبدًا.
قال ابن هشام: وذكر عبدُ الله بن جعفر بن المِسوَر بن مَخرَمة، عن أبي عَوْن
قال: كان أمرُ بني قَينُقاعَ أنَّ امرأةً من العرب قَدِمَت بجَلَبٍ لها، فباعَتْه بسوق بني قَينُقاع، ثمّ جَلَسَت إلى صائغٍ بها، فجَعَلوا يُريدونَها على كَشْف وجهِها فأبَتْ، فعَمَدَ الصّائغُ إلى طَرَفِ ثوبها فعَقَدَه إلى ظهرِها، فلمّا قامت انكَشَفَت سَوْأتُها، فضَحِكوا بها فصاحت، فوَثَبَ رجلٌ من المسلمين على الصّائغ فقتله، وكان يهوديًّا، وشَدَّت اليهودُ على المسلم فقتلوه، فاستَصرَخَ أهلُ المسلمِ المسلمين على اليهود، فأُغضِبَ المسلمون، فوَقَعَ الشّرُّ بينَهم وبين بني قَينُقاع.
قال: فحاصَرَهم رسولُ الله ﷺ حتّى نَزَلوا على حُكمِه، فقام إليه عبدُ الله بن أُبيِّ ابنِ سَلُولَ حين أمكَنَه اللهُ منهم فقال: يا محمّدُ، أحسِنْ في مَواليَّ؛ وكانوا حُلَفاءَ الخَزرَج، قال: فأبطَأَ عليه رسولُ الله ﷺ، فقال: يا محمّدُ، أحسِنْ في مَواليَّ، قال: فأعرَضَ عنه، قال: فأدخَلَ يدَه في جَيبِ دِرْعِ رسول الله ﷺ.قال ابن إسحاق: فقال له رسول الله ﷺ: «أَرسِلْني»، وغَضِبَ رسولُ الله ﷺ حتّى رَأَوا لوجهِه ظُلَلًا، ثمّ قال: «وَيحَكَ، أَرسِلْني» قال: لا والله لا أُرسِلُك حتّى تُحسِنَ في مَواليَّ، أربعُ مئةِ حاسرٍ وثلاثُ مئة دارعٍ قد مَنَعُوني من الأحمر والأسوَد تَحصُدُهم في غَدَاةٍ واحدةٍ! إنّي واللهِ امرُؤٌ أخشَى الدَّوائرَ، قال: فقالَ رسولُ الله ﷺ: «هُمْ لكَ».
قال ابن إسحاق: وحدّثني أبي إسحاقُ بن يَسارٍ، عن عُبادة بن الوليد بن عُبادة بن الصّامت
قال: لمّا حارَبَت بنو قَينُقاعَ رسولَ الله ﷺ، تَشبَّثَ بأمرِهم عبدُ الله بن أُبيِّ ابنِ سَلُولَ وقام دونَهم، قال: ومَشَى عُبادةُ بن الصّامتِ إلى رسول الله ﷺ، وكان أحدَ بني عَوفٍ لهم من حِلْفِه مِثلُ الّذي لهم من عبد الله بن أُبيٍّ، فخَلَعَهم إلى رسول الله ﷺ وتَبَرّأَ إلى الله وإلى رسوله ﷺ من حِلفِهم، وقال: يا رسولَ الله، أتولَّى اللهَ ورسولَه والمؤمنين، وأبرَأُ من حلفِ هؤلاءِ الكُفّار ومن وِلايتِهم.ففيه وفي عبد الله بن أُبيٍّ نَزَلَت القصّةُ من المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: لعبد الله بن أُبيٍّ وقولِه: إنّي أخشَى الدّوائرَ ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ ثمّ القصّةُ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ وذلك لتوَلِّي عُبادةَ بن الصّامتِ اللهَ ورسولَه والّذين آمنوا، وتَبَرُّئِه من بني قَينُقاعَ وحِلفِهم وولايتِهم ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:51 - 56].
قال ابن إسحاق: وحدّثني يحيى بن عَبّاد بن عبد الله بن الزُّبَير، عن أبيه عَبّاد، عن عبد الله بن الزُّبير، عن الزُّبير
أنّه قال: والله لقد رأيتُني أنظُرُ إلى خَدَمِ هندٍ بنتِ عُتْبة وصواحبِها مُشمِّراتٍ هَوارِبَ ما دون أخذِهنَّ قليلٌ ولا كثيرٌ، إذ مالت الرُّماةُ إلى العسكر حين كَشَفْنا القومَ عنه وخَلَّوْا ظُهورَنا للخيل، فأُتِينا من خلفِنا، وصَرَخَ صارخٌ: ألا إنَّ محمّدًا قد قُتِلَ؛ فانكَفَأْنا وانكَفَأَ علينا القومُ بعدَ أن أصَبْنا أصحابَ اللِّواءِ حتّى ما يَدنُو منه أحدٌ من القوم.
قال ابن إسحاق: وحدّثني أبي إسحاقُ بن يَسارٍ، عن أشياخٍ من بني سَلِمةَ:
أنّ عَمرَو بن الجَمُوحِ كان رجلًا أَعرَجَ شديدَ العَرَج، وكان له بَنُونَ أربعةٌ مِثلُ الأُسْد يَشهَدُون مع رسول الله ﷺ المشاهدَ، فلمّا كان يومُ أُحدٍ أرادوا حَبْسَه، وقالوا له: إنّ الله قد عَذَرَك، فأَتى رسولَ الله ﷺ فقال: إنَّ بَنِيَّ يُريدونَ أن يَحبِسُوني عن هذا الوجهِ والخروجِ معك فيه، فواللهِ إنّي لَأَرجُو أن أطَأَ بعَرْجَتي هذه في الجنّة، فقال رسولُ الله ﷺ: «أمّا أنتَ، فقد عَذَرَك اللهُ فلا جِهادَ عليكَ» وقال لبَنِيهِ: «ما عَليكُم أن لا تَمنَعُوه، لَعَلَّ اللهَ أن يَرزُقَه الشَّهادةَ»، فخرج معه فقُتِلَ يومَ أُحدٍ.
فقال رسول الله ﷺ - كما حدّثني محمّدُ بن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي صَعصَعةَ المازني أخو بني النَّجّار -:
«مَن رجلٌ يَنظُرُ لي ما فَعَلَ سعدُ بنُ الرَّبيعِ، أَفي الأَحياءِ هو أَم في الأَمواتِ؟» فقال رجلٌ من الأنصار: أنا أنظُرُ لك يا رسول الله ما فَعَلَ سعدٌ.فنَظَرَ فوَجَدَه جريحًا في القتلى وبه رَمَقٌ، قال: فقلت له: إنّ رسولَ الله ﷺ أمَرَني أن أنظُرَ أفي الأحياءِ أنت أم في الأموات! قال: أنا في الأموات، فأَبلِغْ رسولَ الله ﷺ عنّي السلامَ وقل له: إنَّ سعدَ بن الرَّبيعِ يقول: جَزَاكَ اللهُ عنّا خيرَ ما جَزَى نبيًّا عن أُمّته، وأَبلِغْ قومَك عنّي السلامَ وقل لهم: إنّ سعدَ بن الرَّبيعِ يقول لكم: إنّه لا عُذْرَ لكم عندَ الله إنْ خُلِصَ إلى نبيِّكم ﷺ وفيكم عينٌ تَطرِفُ، قال: ثمّ لم أَبرَحْ حتّى مات، قال: فجئتُ رسولَ الله ﷺ فأخبرتُه خبرَه.