السيرة النبوية لابن هشام
حديث 170786
عرض السند
قال ابن إسحاق: حدّثني محمّد بن جعفر بن الزُّبير، عن عُرْوة بن الزُّبير
قال: فذُكِر أصحابُ القَلِيب ومُصابُهم، فقال صفوان: واللهِ إنْ في العيش بعدهم خيرٌ، فقال له عُمَير: صَدَقتَ والله، أمَ واللهِ لولا دَينٌ عليَّ ليس له عندي قَضاءٌ، وعِيالٌ أخشى عليهم الضَّيْعةَ بعدي، لرَكِبتُ إلى محمّدٍ حتّى أقتلَه، فإنّ لي قِبَلَهم علّةً؛ ابني أَسيرٌ في أيديهم، قال: فاغتَنَمَها صفوانُ فقال: عليَّ دَينُك، أنا أَقضِيهِ عنك، وعِيالُك مع عِيالي أُواسِيهم ما بَقُوا، لا يَسَعُني شيءٌ ويَعجِزُ عنهم، فقال له عُمير: فاكتُمْ عنّي شأْني وشأْنَك، قال: أفعَلُ. قال: ثمّ أَمَرَ عُميرٌ بسيفه فشُحِذَ له وسُمَّ، ثمّ انطَلَق حتّى قَدِمَ المدينة، فبَيْنا عمرُ ابن الخَطّاب في نفرٍ من المسلمين يتحدَّثون عن يوم بدر، ويَذكُرون ما أكرَمَهم الله به وما أَراهم به من عدوِّهم، إذ نَظَرَ عمرُ إلى عُميرِ بن وهبٍ حين أناخَ على باب المسجد متوشِّحًا السيفَ، فقال: هذا الكلبُ عدوُّ الله عميرُ بن وهب، ما جاء إلّا لشرٍّ، وهو الّذي حرَّش بيننا، وحَزَرَنا للقوم يومَ بدر. ثمّ دخل عمرُ على رسول الله ﷺ فقال: يا نبيَّ الله، هذا عدوُّ الله عميرُ بن وهبٍ قد جاء متوشِّحًا سيفَه، قال: «فأَدخِلْه عليَّ» قال: فأقبَلَ عمرُ حتّى أخَذَ بحِمَالةِ سيفه في عُنقِه فلَبَّبَه بها، وقال لرجال ممَّن كانوا معه من الأنصار: ادخُلُوا على رسول الله فاجلِسُوا عنده، واحذَرُوا عليه من هذا الخبيث، فإنّه غيرُ مأمون، ثمّ دخل به على رسول الله ﷺ، فلمّا رآه رسولُ الله ﷺ وعمرُ آخذٌ بحِمَالةِ سيفه في عُنقِه قال: «أَرسِلْه يا عمرُ، ادْنُ يا عُمَيرُ»، فدَنَا ثمّ قال: انعَمُوا صباحًا؛ وكانت تحيّةَ أهل الجاهليّة بينهم، فقال رسول الله ﷺ: «قد أَكرَمَنا اللهُ بتَحيَّةٍ خيرٍ من تَحيَّتِكَ يا عُمَيرُ، بالسَّلامِ، تَحيَّةِ أهلِ الجَنَّة» قال: أمَ واللهِ يا محمّدُ إن كنتَ بها لحديثَ عهدٍ، قال: «فما جاءَ بك يا عُمَيرُ؟» قال: جئتُ لهذا الأسيرِ الّذي في أيديكم، فأَحسِنوا فيه، قال: «فما بالُ السَّيفِ في عُنقِك؟» قال: قَبَحَها اللهُ من سيوف، وهل أغنَتْ شيئًا، قال: «اصدُقْني، ما الَّذي جئتَ له؟» قال: ما جئتُ إلّا لذلك، قال: «بَلَى، قَعَدتَ أنت وصَفْوانُ بن أُميَّةَ في الحِجْرِ، فذَكَرتُما أصحابَ القَلِيبِ من قُريشٍ، ثمَّ قلتَ: لولا دَينٌ عليَّ وعِيالٌ عندي، لخَرَجتُ حتَّى أقتُلَ محمَّدًا، فتَحمَّلَ لك صَفْوانُ بدَينِكَ وعِيالِكَ على أنْ تَقتُلَني له، واللهُ حائلٌ بينَك وبينَ ذلك» قال عُمَير: أشهَدُ أنّك رسولُ الله، قد كنَّا يا رسولَ الله نكذِّبُك بما كنتَ تأتينا به من خبر السّماءِ وما يَنزِلُ عليك من الوَحْي، وهذا أمرٌ لم يَحضُرْه إلّا أنا وصفوانُ، فوالله إنّي لأعلمُ ما أتاك به إلّا اللهُ، فالحمدُ لله الّذي هَدَاني للإسلام وساقَني هذا المَساقَ، ثمَّ شَهِدَ شهادةَ الحقِّ، فقال رسول الله ﷺ: «فَقِّهُوا أَخاكم في دِينِه، وأَقرِئُوه القرآنَ، وأَطلِقُوا له أَسِيرَه»، ففَعَلوا. ثمّ قال: يا رسول الله، إنّي كنتُ جاهدًا على إطفاءِ نورِ الله، شديدُ الأذى لمن كان على دينِ الله، وأنا أحبُّ أن تأذَنَ لي فأَقدَمَ مكّةَ فأدعُوَهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، لعلَّ اللهَ يَهدِيهم، وإلّا آذيتُهم في دينهم كما كنتُ أُوذي أصحابَك في دينهم، قال: فأَذِنَ له رسولُ الله ﷺ، فلَحِقَ بمكّة. وكان صفوانُ حين خرج عميرُ بن وهبٍ يقول: أَبشِروا بوَقْعةٍ تأتيكم الآنَ في أيّامٍ تُنسِيكم وقعةَ بدر، وكان صفوانُ يَسأَل عنه الرُّكْبانَ، حتّى قَدِمَ راكبٌ فأخبره عن إسلامه، فحَلَفَ لا يكلِّمُه أبدًا، ولا يَنفَعُه بنفعٍ أبدًا.
السيرة النبوية لابن هشام — ج: 2 — ص: 430
الحكم المسجّل: مرسل صحيح