قال ابن هشام: وذكر عبدُ الله بن جعفر بن المِسوَر بن مَخرَمة، عن أبي عَوْن
قال: كان أمرُ بني قَينُقاعَ أنَّ امرأةً من العرب قَدِمَت بجَلَبٍ لها، فباعَتْه بسوق بني قَينُقاع، ثمّ جَلَسَت إلى صائغٍ بها، فجَعَلوا يُريدونَها على كَشْف وجهِها فأبَتْ، فعَمَدَ الصّائغُ إلى طَرَفِ ثوبها فعَقَدَه إلى ظهرِها، فلمّا قامت انكَشَفَت سَوْأتُها، فضَحِكوا بها فصاحت، فوَثَبَ رجلٌ من المسلمين على الصّائغ فقتله، وكان يهوديًّا، وشَدَّت اليهودُ على المسلم فقتلوه، فاستَصرَخَ أهلُ المسلمِ المسلمين على اليهود، فأُغضِبَ المسلمون، فوَقَعَ الشّرُّ بينَهم وبين بني قَينُقاع.
قال: فحاصَرَهم رسولُ الله ﷺ حتّى نَزَلوا على حُكمِه، فقام إليه عبدُ الله بن أُبيِّ ابنِ سَلُولَ حين أمكَنَه اللهُ منهم فقال: يا محمّدُ، أحسِنْ في مَواليَّ؛ وكانوا حُلَفاءَ الخَزرَج، قال: فأبطَأَ عليه رسولُ الله ﷺ، فقال: يا محمّدُ، أحسِنْ في مَواليَّ، قال: فأعرَضَ عنه، قال: فأدخَلَ يدَه في جَيبِ دِرْعِ رسول الله ﷺ.قال ابن إسحاق: فقال له رسول الله ﷺ: «أَرسِلْني»، وغَضِبَ رسولُ الله ﷺ حتّى رَأَوا لوجهِه ظُلَلًا، ثمّ قال: «وَيحَكَ، أَرسِلْني» قال: لا والله لا أُرسِلُك حتّى تُحسِنَ في مَواليَّ، أربعُ مئةِ حاسرٍ وثلاثُ مئة دارعٍ قد مَنَعُوني من الأحمر والأسوَد تَحصُدُهم في غَدَاةٍ واحدةٍ! إنّي واللهِ امرُؤٌ أخشَى الدَّوائرَ، قال: فقالَ رسولُ الله ﷺ: «هُمْ لكَ».
قال ابن إسحاق: وحدّثني أبي إسحاقُ بن يَسارٍ، عن عُبادة بن الوليد بن عُبادة بن الصّامت
قال: لمّا حارَبَت بنو قَينُقاعَ رسولَ الله ﷺ، تَشبَّثَ بأمرِهم عبدُ الله بن أُبيِّ ابنِ سَلُولَ وقام دونَهم، قال: ومَشَى عُبادةُ بن الصّامتِ إلى رسول الله ﷺ، وكان أحدَ بني عَوفٍ لهم من حِلْفِه مِثلُ الّذي لهم من عبد الله بن أُبيٍّ، فخَلَعَهم إلى رسول الله ﷺ وتَبَرّأَ إلى الله وإلى رسوله ﷺ من حِلفِهم، وقال: يا رسولَ الله، أتولَّى اللهَ ورسولَه والمؤمنين، وأبرَأُ من حلفِ هؤلاءِ الكُفّار ومن وِلايتِهم.ففيه وفي عبد الله بن أُبيٍّ نَزَلَت القصّةُ من المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: لعبد الله بن أُبيٍّ وقولِه: إنّي أخشَى الدّوائرَ ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ ثمّ القصّةُ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ وذلك لتوَلِّي عُبادةَ بن الصّامتِ اللهَ ورسولَه والّذين آمنوا، وتَبَرُّئِه من بني قَينُقاعَ وحِلفِهم وولايتِهم ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:51 - 56].