قالوا : بعثَ رسولُ الله ﷺ محمدَ بنَ مَسلَمةَ إلى بني ثَعلبةَ وبني عُوَالٍ من ثَعلبةَ وهم بذِي القَصَّة ، وبينها وبينَ المَدينةِ أَربعةٌ وعشرونَ مِيلًا طريقَ الرَّبَذة في عشَرةِ نَفَر، فوَردُوا عليهم ليلًا، فأَحدَقَ به القومُ، وهم مِئةُ رجل، فتَرامَوا ساعةً من اللَّيل، ثم حمَلَت الأَعرابُ عليهم بالرِّماح، فقَتلوهم، ووَقع محمدُ بنُ مَسلمةَ جَريحًا، فضُرِبَ كعبُه فلا يَتحرَّك، وجرَّدوهم من الثياب، ومَرَّ بمحمدِ بنِ مَسلمةَ رجلٌ من المُسلمين، فحَمَله حتى وَرَدَ به المدينة، فبَعثَ رسولُ الله ﷺ أَبا عُبيدةَ بنَ الجرَّاح في أَربعينَ رجلًا إلى مَصارع القَوم، فلم يَجدوا أَحدًا، ووَجدوا نَعَمًا وشاءً، فساقَهُ ورَجَع.
قالوا : بعثَ رسولُ الله ﷺ زيدَ بنَ حارثةَ إلى بني سُلَيم، فسارَ حتى وَرَدَ الجَمُوم ناحيةَ بطنِ نَخْلٍ عن يسارِها، وبطنُ نَخْلٍ من المدينة على أَربعةِ بُرُد، فأَصابوا عليه امرأةً مِن مُزَينةَ يقال لها: حَلِيمة، فدلَّتهم عن مَحَلَّةٍ من مَحالِّ بني سُلَيم، فأَصابوا في تلك المَحَلّةِ نَعَمًا وشاءً وأَسرَى، فكان فيهم زَوجُ حَلِيمةَ المُزَنيّة، فلمَّا قَفَلَ زيدُ بنُ حارثةَ بما أَصاب، وَهَبَ رسولُ الله ﷺ للمُزَنيَّةِ نفْسَها وزَوجَها، فقال بلالُ بنُ الحارث في ذلك شِعرًا:لَعَمرُكَ ما أَخنَى المَسُولُ ولا وَنَتْ ... حَليمةُ حتى راحَ رَكبُهما مَعَا
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبيه
قال : خرجَ أبو العاص بنُ الرَّبيع إلى الشأم في عيرٍ لقريش، وبَلغَ رسولَ الله ﷺ أنَّ تلك العِير قد أَقبلَتْ من الشأم، فبَعثَ زيدَ بنَ حارثةَ في سبعينَ ومِئتي راكبٍ، فلَقُوا العِيرَ بناحيةِ العِيص في جُمادَى الأَولى سنةَ سِتٍّ من الهجرة، فأَخذُوها وما فيها من الأَثقال، وأَسَرُوا ناسًا ممَّن كان في العِير، مِنهم أَبو العاص بنُ الرَّبيع، فلم يَغدُ أن جاءَ المَدينةَ فدَخلَ على زَينبَ بنتِ رَسولِ الله بسَحَر - وهي امرأتُه – فاستَجارَها، فأَجارَتْه. فلمَّا صلَّى رسولُ الله الفَجرَ قامت على بابِها فنادَتْ بأَعلى صَوتِها: إنِّي قد أَجرْتُ أَبا العاص بنَ الرَّبيع. فقالَ رسولُ الله: «أيُّها الناس، هل سَمِعتُم ما سَمِعتُ؟» قالوا : نعم، قال: «فوالذي نفَسي بيَدِه، ما علِمتُ بشيءٍ ممّا كان حتى سمِعتُ الذي سَمِعتُم، المؤمنونَ يدٌ على مَن سِواهم، يُجيرُ عليهم أَدناهُم، وقد أَجَرْنا مَن أَجارَت». فلمَّا انصَرَفَ النّبيُّ ﷺ إلى مَنزِله، دَخلتْ عليه زَينبُ فسَألَتْه أن يَرُدَّ على أَبي العاص ما أُخِذَ منه، ففَعَلَ، وأَمرَها أن لا يَقَربَها؛ فإنها لا تَحِلُّ له ما دامَ مُشرِكًا. ورَجَعَ أَبو العاص إلى مكَّةَ فأَدَّى إلى كلِّ ذي حَقٍّ حقَّه، ثم أَسلَم ورَجع إلى النّبيِّ ﷺ مُسلِمًا مُهاجرًا، في المُحرَّم سنةَ سبعٍ من الهجرة، فرَدَّ عليه رسولُ الله ﷺ زَينبَ بذلك النِّكاح الأوّل.
قالوا : بعَثَ رسولُ الله ﷺ زيدَ بنَ حارثةَ إلى الطَّرْف، وهو ماءٌ قريبٌ من المَرَاض دُون النُّخَيل، على ستَّةٍ وثلاثينَ مِيلًا مِن المَدينةِ طَريقَ البَقَرَةِ على المَحَجّة، فخرَجَ إلى بني ثَعلبةَ في خَمسةَ عشَرَ رجلًا، فأَصابَ نَعَمًا وشاءً، وهرَبتِ الأَعرابُ، وصبَّحَ زيدٌ بالنَّعمِ المَدينةَ، وهي عشرونَ بعيرًا، ولم يَلْقَ كيدًا، وغابَ أَربعَ ليالٍ، وكان شِعارُهم: أَمِتْ أَمِتْ.
قالوا : خرَجَ زيد بنُ حارثةَ في تجارةٍ إلى الشأم، ومعه بضائعُ لأَصحابِ النّبيِّ ﷺ، فلمَّا كان دُونَ وادي القُرَى لَقِيَه ناسٌ من فَزَارةَ من بني بَدْر، فضَرَبوه وضَرَبوا أَصحابَه، وأَخذوا ما كان معَهم، ثم استَبَلَّ زيدٌ وقدِمَ على رسولِ الله ﷺ، فأَخبرَه فبَعثَه رسولُ الله ﷺ إليهم.فكَمَنوا النَّهارَ وسارُوا اللَّيلَ، ونَذِرَتْ بهم بنو بَدْرٍ، ثم صبَّحَهم زيدٌ وأَصحابُه، فكبَّروا وأَحاطوا بالحاضِر وأَخذوا أُمَّ قِرفةَ، وهي فاطمةُ بنتُ ربيعةَ بن بَدْرٍ، وابنتَها جاريةَ بنتَ مالك بنِ حُذيفةَ بن بدر، فكان الذي أَخذَ الجاريةَ مَسْلَمةُ بن الأَكوع، فوَهَبها لرسول الله ﷺ، فوهَبها رسولُ الله بعدَ ذلك لحَزْنِ بن أَبي وَهْب، وعمَدَ قيسُ بنُ المُحسَّر إلى أُمِّ قِرفةَ، وهي عجوزٌ كبيرةٌ، فقتَلَها قتلًا عَنيفًا؛ رَبطَ بين رِجْلَيها حبلًا، ثم ربَطَها بينَ بَعيرَين، ثم زَجرَهُما فذَهبا فقَطَعاها، وقَتَلَ النُّعمانَ وعُبيدَ الله ابنَي مَسعدةَ بنِ حَكَمةَ بنِ مالكِ بنِ بدر . وقَدِمَ زيدُ بن حارثةَ من وَجهِه ذلك، فقَرعَ بابَ النّبيِّ ﷺ، فقامَ إليه عُرْيانًا يَجرُّ ثَوبَه حتى اعتَنقَه وقبَّلَه وساءَلَه، فأَخبرَه بما ظفَّرَهُ اللهُ به.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني سعيد بن مسلم بن قَمَاذَين، عن عطاء بن أَبي رَباح، عن ابن عُمر
قال: بعَثَ رسولُ الله ﷺ عبدَ الرَّحمن بنَ عَوفٍ في سبع مِئةٍ إلى دُومةِ الجَنْدَل، وذلك في شَعبانَ سنةَ ستٍّ من الهجرة، فنَقَضَ عِمامتَه بيَدِه، ثم عمَّمَه بعِمامةٍ سوداء، فأَرخَى بينَ كَتِفَيه منها، فقَدِمَ دُومةَ، فدَعاهُم إلى الإسلام فأَبَوا، ثلاثًا، ثم أَسلمَ الأَصبغُ بنُ عَمرٍو الكَلْبيُّ، وكان نصرانيًّا، وكان رأسَهم، فبَعثَ عبدُ الرَّحمن فأَخبرَ النّبيَّ ﷺ بذلك، فكتَبَ إليه: أن تزوَّجْ تَماضِرَ بنتَ الأَصبَغ، فتزوَّجَها عبدُ الرّحمن وبنَى بها، وأَقبلَ بها، وهي أُمُّ أَبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن.
سريّةُ عَمرِو بنِ أُميّةَ الضَّمْريّ وسَلَمةَ بن أَسلَمَ بنِ حَرِيسٍ إلى أَبي سُفيانَ بنِ حربٍ بمكّة، وذلك أنَّ أَبا سُفيانَ بنَ حربٍ قال لنَفَرٍ من قريش: ألَا أَحدٌ يَغتَرُّ محمّدًا؛ فإنّه يَمشِي في الأسواق؟ فأَتاه رجلٌ من الأَعراب فقال: قد وجدتَ أَجمعَ الرِّجال قلبًا، وأَشدَّه بَطشًا، وأَسرَعَه شَدًّا، فإن أَنتَ قوَّيتَني خرجتُ إليه حتى أَغتالَه، ومعي خِنجَرٌ مِثلُ خافيةِ النِّسْر، فأُسْوِرُه ثم آخُذُ في عِيرٍ وأَسبِقُ القَومَ عَدْوًا، فإنِّي هادٍ بالطَّريقِ خِرِّيتٌ. قال: أَنتَ صاحبُنا، فأَعطاهُ بَعيرًا ونفَقةً، وقال: اطوِ أَمرَكَ. فخرَجَ ليلًا، فسارَ على راحلتِه خمسًا، وصبَّحَ ظَهرَ الحَرَّةِ صُبحَ سادسةٍ، ثم أَقبلَ يسألُ عن رسولِ الله ﷺ حتى دُلَّ عليه، فعَقَلَ راحلتَه ثم أَقبلَ إلى رسولِ الله ﷺ وهو في مسجدِ بني عبدِ الأَشهَل، فلمَّا رآهُ رسولُ الله ﷺ قال: «إنَّ هذا لَيُريدُ غَدرًا»، فذَهبَ لِيَجنِي على رسولِ الله ﷺ فجَذَبَه أُسَيد بنُ الحُضَير بداخِلةِ إزارِه، فإذا الخِنجَرُ، فسُقِطَ في يدَيهِ، وقال: دَمِي دَمِي، فأَخذَ أُسَيدٌ بلَبَّتِه فذَعَتَه، فقالَ رسولُ الله ﷺ: «اصدُقْني، ما أَنت؟» قال: وأَنا آمِن؟ قال: «نعم»، فأَخبرَه بأَمرِه وما جَعَلَ له أَبو سفيان، فخَلَّى عنه رسولُ الله ﷺ، فأَسلَمَ. وبعَثَ رسولُ الله ﷺ عَمرَو بنَ أُميّةّ وسَلَمةَ بنَ أَسلمَ إلى أَبي سُفيانَ بنِ حرب، وقال: «إن أَصبتُما مِنه غِرَّةً فاقتُلاه». فدَخلا مكَّةَ، ومضَى عَمرُو بنُ أُميَّةَ يطوفُ بالبَيتِ لَيلًا، فرآه معاويةُ بنُ أَبي سُفيانَ فعَرَفَه، فأَخبَرَ قُريشًا بمِكانِه، فخافُوهُ وطَلَبوهُ، وكان فاتِكًا في الجاهليّة، وقالوا: لم يأتِ عَمرٌو لخَير؛ فحشَدَ له أَهلُ مكّةَ وتجمَّعوا، وهربَ عَمرٌو وسَلَمةُ، فلَقِي عمرٌو عُبيدَ الله بنَ مالك بن عُبيدِ الله التَّيميَّ فقتَلَه، وقَتلَ آخرَ مِن بني الدِّيل سَمِعَه يتغنَّى، ويقول:ولستُ بمُسلِمٍ ما دُمتُ حيّا... ولستُ أَدينُ دِينَ المُسلِميناولقِيَ رَسولَينِ لقُريشٍ بعثَتْهما يتَحسَّبانِ الخَبر، فقَتَلَ أَحدَهما وأَسرَ الآخَرَ، فقَدِمَ به المدينة. فجَعلَ عَمرٌو يُخبرُ رسولَ الله ﷺ خبَرَه، ورسولُ الله ﷺ يَضحَك.
أخبرنا محمد بن عمر، قال : أخبرنا يحيى بن عبد العزيز، عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد
قال : بعثَ رسولُ الله ﷺ بَشِيرَ بنَ سعدٍ في سريّةٍ في ثلاثِ مئةٍ إلى يُمْنٍ وجَبَار بينَ فَدَك ووادِي القُرى، وكان بها ناسٌ من غطَفَانَ قد تجمَّعوا مع عُيينةَ بن حِصْنٍ الفَزَاريِّ، فلَقِيَهم بَشيرٌ ففَضَّ جَمْعَهم، وظَفِرَ بهِم، وقَتَلَ وسَبَى وغَنِمَ، وهَرَبَ عُيينةُ وأَصحابُه في كلِّ وجهٍ. وكانت هذه السَّريّةُ في شوَّالٍ سنةَ سَبْع.
قالوا : بعثَ رسولُ الله ﷺ عُيينةَ بنَ حِصْنٍ الفَزَاريَّ إلى بَني تَميمٍ في خَمسينَ فارسًا من العرب، ليس فيهم مُهاجِريٌّ ولا أَنصاريٌّ، فكان يَسيرُ اللَّيلَ ويَكمنُ النَّهار، فهَجمَ عليهم في صحراءٍ، فدَخَلوا وسرَّحوا مَواشِيَهم، فلمَّا رأَوا الجَمعَ ولَّوا، وأَخذَ مِنهم أَحدَ عشَرَ رجلًا، ووَجدوا في المَحَلَّةِ إحدى عشْرةَ امرأةً وثلاثينَ صبيًّا، فجَلَبهم إلى المدينة، فأَمرَ بهم رسولُ الله ﷺ فحُبِسوا في دارِ رَمْلةَ بنتِ الحارث، فقَدِمَ فيهم عدَّةٌ مِن رؤسائِهم: عُطاردُ بنُ حاجب، والزِّبْرِقانُ بنُ بدر، وقيسُ بن عاصم، والأَقرع بنُ حابس، وقيس بنُ الحارث، ونُعَيم بن سعد، وعَمرو بن الأَهْتَم، ورَباح بنُ الحارث بنِ مُجاشِع، فلمَّا رأَوهم بكَى إليهم النِّساءُ والذَّراريُّ، فعَجِلوا فجاؤوا إلى باب النّبيِّ ﷺ، فنادَوا: يا محمّد، اخرُج إلينا، فخرَجَ رسولُ الله ﷺ، وأَقام بلالٌ الصّلاةَ، وتعلَّقوا برَسولِ الله ﷺ يكلِّمونَه، فوقفَ معَهم، ثم مضَى فصلَّى الظُّهرَ ثم جلَسَ في صَحنِ المَسجد، فقدَّمُوا عُطاردَ بن حاجبٍ فتكلَّم وخَطَب، فأَمرَ رسولُ الله ﷺ ثابتَ بنَ قيسِ بنِ شَمَّاس فأَجابَهم، ونزلَ فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾، فرَدَّ عليهم رسولُ الله الأَسرَى والسَّبْيَ.
بعثَ رسولُ الله ﷺ الوليدَ بنَ عُقبةَ بن أَبي مُعَيط إلى بَلْمُصطَلِق من خُزاعةَ يُصدِّقهم، وكانوا قد أَسلَمُوا وبنَوا المساجدَ، فلمَّا سمِعُوا بدُنوِّ الوليدِ خرَجَ منهم عِشرونَ رجُلًا يتلقَّونَه بالجَزُورِ والغَنَم فرَحًا به، فلمَّا رآهم ولَّى راجعًا إلى المَدينة، فأَخبرَ النّبيَّ ﷺ أنّهم لَقُوه بالسِّلاح يَحولُونَ بينَه وبينَ الصَّدَقة. فهمَّ رسولُ الله ﷺ أن يَبعثَ إليهم مَن يَغزُوهم، وبلَغَ ذلك القومَ، فقَدِمَ عليه الرَّكبُ الذين لَقُوا الوليدَ، فأَخبَروا النّبيَّ الخبرَ على وَجهِه، فنزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة﴾ إلى آخِر الآية، فقرأَ عليهم رسولُ الله ﷺ القرآنَ، وبعثَ معَهم عبَّادَ بنَ بِشْرٍ يأخذُ صدَقاتِ أَموالِهم، ويُعلِّمُهم شرائعَ الإسلام، ويُقرئُهم القرآن، فلم يَعْدُ ما أَمرَه رسولُ الله ﷺ، ولم يضيِّع حقًّا، وأَقامَ عندَهم عشْرًا، ثم انصرفَ إلى رسول الله ﷺ راضيًا.