1. السيرة النبوية لابن هشام — ج: 2 — ص: 114
فحدّثني نافعٌ مَولَى عبدِ الله بن عمر، عن عبدِ الله بن عمر، عن أبيه عمر بن الخَطّاب
قال: اتَّعَدتُ - لمّا أردنا الهجرةَ إلى المدينة - أنا وعيّاشُ بن أبي رَبِيعة وهشامُ بن العاصِ بن وائلٍ السَّهْميُّ التَّناضُبَ من أَضَاةِ بني غِفَار فوق سَرِفَ، وقلنا: أيُّنا لم يُصبِحْ عندها فقد حُبِسَ، فليَمضِ صاحباه. قال: فأصبحتُ أنا وعيّاشُ بن أبي ربيعة عند التَّناضُب، وحُبِسَ عنّا هشامٌ، وفُتِنَ فافتَتَن. فلمّا قَدِمنا المدينةَ نزلنا في بني عمرو بن عوف بقُباءٍ، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عَيّاش بن أبي ربيعة - وكان ابنَ عمِّهما وأخاهما لأمِّهما - حتّى قَدِما علينا المدينة ورسولُ الله ﷺ بمكّة، فكَلَّماه وقالا له: إنّ أمَّك قد نَذَرَت أن لا يَمَسَّ رأسَها مُشطٌ حتّى تراك، ولا تَستَظلَّ من شمس حتّى تراك، فرَقَّ لها، فقلت له: يا عيّاش، إنّه واللهِ إنْ يريدُك القومُ إلّا عن دينِك فاحذَرْهم، فواللهِ لو قد آذى أُمَّك القملُ لامتَشَطَت، ولو قد اشتدَّ عليها حرُّ مكّة لاستَظَلَّت، قال: فقال: أُبِرُّ قَسَمَ أمّي، ولي هناك مالٌ فآخذه، قال: فقلت: واللهِ إنّك لتعلمُ أنّي لمن أكثر قريشٍ مالًا، فلك نصفُ مالي ولا تذهبْ معهما، قال: فأَبى عليَّ إلّا أن يَخرُج معهما، فلمّا أَبى إلّا ذلك، قال: قلت له: أَمَّا إذ قد فعلتَ ما فعلتَ، فخُذْ ناقتي هذه، فإنّها ناقةٌ نَجِيبةٌ ذَلُول، فالزَمْ ظهرَها، فإن رابَك من القوم رَيْبٌ، فانجُ عليها. فخرج عليها معهما، حتّى إذا كانوا ببعض الطّريق قال له أبو جهل: يا أَخي، واللهِ لقد استَغلَظتُ بعيري هذا، أفلا تُعقِبُني على ناقتك هذه؟ قال: بلى، قال: فأناخَ وأناخا ليَتحوَّل عليها، فلمّا استَوَوْا بالأرض عَدَوَا عليه فأَوثَقاه رِباطًا، ثمّ دخلا به مكّة، وفَتَنَاه فافتَتَن. قال ابن إسحاق: فحدّثني بعضُ آل عيّاش بن أبي ربيعة: أنّهما حين دخلا به مكّةَ دخلا به نهارًا مُوثَقًا، ثمّ قالا: يا أهلَ مكّة، هكذا فافعلوا بسُفهائِكم كما فعلنا بسَفيهِنا هذا. قال نافع، عن عبد الله بن عمر، عن عمر في حديثِه؛ قال: فكنّا نقول: ما اللهُ بقابلٍ ممّن افتَتَنَ صَرْفًا ولا عَدْلًا ولا توبةً، قومٌ عَرَفُوا الله ثمّ رجعوا إلى الكفر لبلاءٍ أصابهم! قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلمّا قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ، أنزَلَ الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسِهم: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: 53 - 55]. قال عمر: فكتبتُها بيدي في صحيفةٍ وبَعَثتُ بها إلى هشام بن العاص، قال: فقال هشامٌ: فلمّا أَتتني جعلتُ أقرَؤُها بذي طُوًى، أُصعِّدُ بها فيه وأُصوِّب ولا أَفهمها، حتّى قلت: اللهمَّ فهِّمنِيها، قال: فأَلقَى اللهُ في قلبي أنّها إنَّما أُنزِلَت فينا وفيما كنّا نقول في أنفسنا ويُقال فينا، قال: فرَجَعتُ إلى بَعِيري فجلستُ عليه، فلَحِقتُ برسولِ الله ﷺ بالمدينة.
الحكم المسجل: إسناده صحيح
الدلالات: هجرة الصحابة إلى المدينة - من البعثة إلى الهجرة • ابتلاء أصحاب النبي عليه السلام وثباتهم - من البعثة إلى الهجرة
معرّف السجل في المكتبة: 170760