1. المعجم الكبير - المجلد التاسع عشر — رقم الحديث: 174 — ج: 19 — ص: 87
حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني معبد بن كعب بن مالك بن القين، أخو بني سلمة، عن أخيه عبيد الله بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك
قال: خرجنا في الحَجّة التي بايعْنا بها رسولَ الله ﷺ العقبةَ، مع مشركي قومِنا، ومعَنا البراء بنُ مَعْرور كبيرُنا وسيدُنا، حتى إذا كنّا بظاهر البَيداء، قال: يا هؤلاء، تعلَمون أنِّي قد رأيتُ رأيًا، ما أَدري أَتوافِقوني عليه أم لا؟ قلنا: ما هو يا أبا البِشْر؟ قال: رأيتُ أنِّي أُصلِّي إلى هذه البِنْية ولا أَجعلُها منِّي بظَهْر، قلنا: لا واللهِ لا تَفعل، ما بلَغَنا أن نبيَّنا ﷺ لا يصلِّي إلّا إلى الشام، قال: فإنِّي واللهِ لمُصَلٍّ إليها، وكان إذا حضَرتِ الصّلاةُ توجَّه إلى الكَعبة، وتوجَّهْنا إلى الشام، حتى قدِمْنا مكّة، فقال لي البَراء بن مَعرُور: يا ابن أخي انطلِقْ بنا إلى رسول الله حتى نسألَه عمّا صنَعنا في سفَرنا هذا، فلقد وجدتُ في نفسي منه بخِلافكُم إيّاي، فخرَجْنا نسأل رسولَ الله ﷺ، فلقِيَنا رجل بالأَبطَح، فقُلنا له: تدلُّنا على محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: وهل تَعرِفانِه إذا رأيتُماه؟ قلنا: لا واللهِ ما نَعرفُه، ولم نكن رأَينا رسولَ الله ﷺ، قال: فهل تَعرِفان العباس بنَ عبد المُطّلب؟ قلنا: نعم، وقد كنّا نَعرفُه، كان يختلفُ إلينا بالتِّجارة، قال: فإذا دخلتُما المسجدَ فانظُرا العباس، فهو الرجلُ الذي معه، فدخلنا المسجدَ، ورسولُ الله ﷺ والعبّاسُ في ناحيةِ المسجد جالسان، فسلَّمنا وجلسنا، فقال رسولُ الله ﷺ: «هل تعرفُ هذين الرَّجُلين؟» فلما انفتل، قال: نعم، هذا البراءُ بن مَعْرور سيِّدُ قومِه، وهذا كعبُ بن مالك، فواللهِ ما أَنسَى قولَ رسولِ الله ﷺ: «الشّاعر؟» قال: نعم، فقال له البراء بن مَعْرور: يا رسولَ الله، إني قد كنتُ رأيتُ في سفَري هذا رأيًا قد أَحببتُ أن أسألكَ عنه لتُخبِرَني عمّا صَنعتُ فيه، قال: «وما ذلك؟» قال: رأيتُ أن لا أَجعلَ هذه البِنْيةَ منِّي بظَهر، فصلَّيتُ إليها، فقال رسولُ الله ﷺ: «قد كنتَ على قِبلةٍ لو صَبرتَ إليها»، فرجع إلى قبلةِ رسولِ الله ﷺ، وأَهلُه يقولون: قد ماتَ عليها، ونحن أَعلم به، قد رجعَ إلى قبلةِ رسول الله فصلَّى معَنا إلى الشام. ثم واعدْنا رسولَ الله ﷺ أَوسطَ أَيّامِ التّشريق، ونحن سبعونَ رجلًا لبَيعتِه، ومعَنا عبدُ الله بن عَمرو بن حَرَام أبو جابر، وإنّه لعلَى شِركِه، فقُلنا: يا أبا جابر، إنّا واللهِ لنَرغبُ بك أن تَموتَ على ما أنتَ عليه فتكونَ لهذِه النارِ غدًا حطَبًا، وإنَّ اللهَ، عزّ وجلّ، قد بعثَ رسولًا يأمرُ بتَوحيدِه، وقد أَسلمَ رجالٌ مِن قومِك، وقد واعدْنا رسولَ الله ﷺ للبَيعة، فأَسلَمَ وطهَّر ثِيابَه، وحضَرَها معنا، وكان نقيبًا، فلمَّا كان في اللَّيلةِ التي واعدْنا فيها رسولَ الله ﷺ بمِنى أوّلَ اللَّيل مع قومِنا، فلمَّا استثقلَ النّاسُ في النَّوم، تسلَّلْنا مِن فُرُشنا تسلُّلَ القَطا، حتى اجتمَعْنا بالعقَبة، فأَتانا رسولُ الله ﷺ وعمُّه العبّاس، ليس معَه غيرُه، وهو على شِركِه، ولكنَّه أَحبَّ أن يحضُرَ أَمرَ ابنِ أخيه، فكان أوّلَ متكلِّم، قال: يا معشرَ الخزرج - إنّما كانت العربُ تُسمِّي هذا الحيَّ من الأنصارِ أَوسَها وخزرجَها: الخَزرج - يا معشرَ الخزرج، إنَّ محمّدًا منّا بحيثُ قد علِمتُم، وهو في مَنَعةٍ مِن قومِه وبلادِه، وقد منعْناهُ ممَّن على مِثلِ رأْيِنا فيه، وقد أَبى إلّا انقِطاعنا إليكُم وإلى ما دَعوتُموهُ إليه، فإن كنتُم تَرَون أنّكم وافونَ له بما واعدتُموه إليهِ فأَنتُم وما علِمتُم، وإن كنتُم تَخشَونَ من أَنفُسِكم خِذلانًا فاترُكوهُ في قَومِه، فإنّه في مَنَعةٍ من عشيرتِه وقومِه. فقلنا: قد سمِعْنا ما قلتَ، تكلَّم يا رسولَ الله، فتكلَّم رسولُ الله ﷺ، فدعا إلى اللهِ، عزّ وجلّ، وتلا القرآنَ، ورغّبَ في الإسلام، فأجَبْناه في الإيمانِ به والتَّصديقِ له، وقلنا: يا رسولَ الله، خُذ لربِّكَ ثم لنَفسِك، فقال: «إنِّي أُبايعُكم على أن تَمنَعوني ممّا مَنعتُم منه أَبناءَكم ونساءَكم»، فأجابَه البراء بن مَعْرور فقال: نعم، والذي بعثَكَ بالحقّ، فبايعْنا رسولَ الله ﷺ، فنحنُ واللهِ أهلُ الحُروب وأهل الحَلْقة، ورِثناها كابرًا عن كابر، فعَرَضَ في الحديث أبو الهيثم بنُ التَّيِّهان، فقال: يا رسولَ الله، إنّ بينَنا وبينَ قومٍ حِبالًا، وإنا لَقاطِعوها، فهل عسَيتَ إن أَظهرَكَ اللهُ أن تَرجعَ إلى قومِك وتدَعَنا؟ فقال رسولُ الله ﷺ: «بل الدَّمُ الدّم، والهَدمُ الهَدمُ، أنا مِنكم وأنتُم منِّي، أُسالِمُ من سالمْتُم، وأُحاربُ مَن حاربتُم» فقال البراءُ بنُ مَعْرور: ابسُطْ يدكَ أُبايِعْك، فقال رسولُ الله ﷺ: «أَخرِجُوا إلي مِنكُم اثنَي عشَرَ نقيبَا» فأَخرَجوهم، وكان نقيبُ بني النَّجّار أَسعدَ بنَ زُرارة، وكان نقيبُ بني سَلِمة البراءَ بنَ مَعْرور وعبدَ الله بنَ عَمرو بن حَرَام، وكان نقيبُ بني ساعِدةَ سعدَ بنَ عُبادة والمُنذرَ بنَ عمرو، وكان نقيبُ بني زُرَيق رافعَ بنَ مالك بن العَجْلان، وكان نقيبُ بني الحارث بنِ الخزرج عبدَ الله بنَ رَواحة وسعدَ بنَ الرَّبيع، وكان نقيبُ بني عوفِ بن الخزرج عُبادةَ بنَ الصّامت، ونقيبُ بني عبدِ الأشْهَل أُسيدَ بنَ حُضَير، وأبا الهَيثَم بنَ التَّيِّهان، وكان نقيبُ بني عَمرو بنِ عَوف سعدَ بنَ خَيثَمة، وكانوا اثنَي عشَرَ؛ تسعةً من الخزرج، وثلاثةً من الأَوس، فأَخذَ البراءُ بنُ مَعْرور بيدِ رسولِ الله ﷺ فضَربَ عليها، فكان أوّلَ من بايع، فتتابع الناس فبايعوا، وصرَخَ الشّيطانُ على العَقَبة بأَبعدِ صوتٍ سمِعتُه قطّ، فقال: يا أَهلَ الحباحب، هل لكُم في محمدٍ والصَّبأةِ معَه قد اجتَمعوا على حرْبِكم؟ فقال رسولُ الله ﷺ: «ارفَضُّوا إلى رِحالكم» فرجعْنا إلى رِحالنا، فاضطَجَعْنا على فُرُشِنا، فلمَّا أَصبَحنا أَقبلَتْ جِلَّةٌ من قريش، فيهم الحارثُ بن هشام فتًى شابٌّ عليه نعلانِ له جَديدان، حتى جاؤونا في رِحالنا، فقالوا: يا معشرَ الخزرج، قد جِئتُم إلى صاحبِنا لتَستخرِجوه من بين أَظهُرِنا، وإنّه واللهِ ما مِن العربِ أَحدٌ أَبغضَ إلينا أن يَنشَبَ الحربُ فيما بينَنا وبينَه مِنكم، فانبعَثَ مَن هناك مِن قومِنا من المشركين يحلفونَ بالله ما كان مِن هذا شيءٌ، وما فعَلْناه، وأنا أَنظرُ إلى أَبي جابرِ بنِ عبد الله بن حرَام، وهو صامتٌ وأنا صامت، فلمّا تثوَّر القوم ليَنطلِقوا، قلتُ كلِمةً كأنِّي أَشرَكُهم في الكلام: يا أبا جابر، أَنتَ مِن سادَتِنا، وكهلٌ مِن كُهولنا، لا تستطيعُ أن تتَّخذَ مِثل نعلِ هذا الفَتى من قريش، فسَمِعَه الفتى فخلَعَ نعلَيه، فرَمَى بهما إليَّ، فقال: واللهِ لَتلبَسَنَّهما، فقال أبو جابر: مَهلًا، أَحفَظْتَ لَعَمْرُ اللهِ الرَّجلَ - يقول: أَخْجَلْتَه - اردُدْ عليه نَعْلَيه، قلت: واللهِ لا أَردُّهما، إنِّي لأَرجو أن أَستَلِبَه.
الحكم المسجل: حسن
الدلالات: بيعتا العقبة الأولى والثانية وبدء إسلام الأنصار - من البعثة إلى الهجرة
معرّف السجل في المكتبة: 170758